3 مارس، 2026
مقالات

الدكتور برهان الدين محمد يكتب: أم كلثوم بين قدسية الرمز وجدلية السينما

لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة ملأت المسارح بصوتها، بل كانت ظاهرة ثقافية شكلت وجدان أمة كاملة.

على مدار عقود، تحول اسمها إلى رمز فني يتجاوز حدود الغناء، ليعبر عن زمن وهوية وذاكرة جمعية لذلك، ليس غريبًا أن يثير أي اقتراب سينمائي من سيرتها موجات من الجدل، كما حدث مع الهجوم الذي طال فيلم الفنانة منى زكي الذي يتناول شخصية “كوكب الشرق”.

الهجوم، في جوهره، لا ينفصل عن حساسية التعامل مع الرموز الكبرى فجزء من الجمهور يرى أن أم كلثوم وصلت إلى مرتبة “القداسة الفنية”، حيث يصبح تمثيلها تحديًا شبه مستحيل، وأي اختلاف في الملامح أو الأداء يُقرأ بوصفه انتقاصًا من قيمتها.

من هذا المنطلق، وُجّهت انتقادات للفيلم قبل عرضه، بعضها ركّز على اختيار منى زكي للدور، وبعضها الآخر على المخاوف من “تجاريّة” العمل أو اختزال سيرة بحجم أم كلثوم في قالب سينمائي محدود.

في المقابل، يرى فريق آخر أن هذا الهجوم سابق لأوانه، وأن الفن بطبيعته إعادة قراءة وتأويل، لا نسخة طبق الأصل من الواقع.

فالسينما ليست أرشيفًا، بل رؤية إبداعية تحاول تقريب الشخصية إلى أجيال جديدة بلغة العصر ومنى زكي، بتاريخها الفني وقدرتها التمثيلية، تمثل محاولة جادة للاجتهاد لا للاعتداء على الرمز، حتى وإن اختلفت النتائج من مشاهد لآخر.

القضية، إذن، أعمق من فيلم وممثلة إنها تعكس صراعًا بين جيل يتمسك بصورة أم كلثوم كما عرفها وعاشها، وجيل آخر لم يعاصرها إلا عبر التسجيلات، ويبحث عن نافذة حديثة لفهمها وبين الطرفين، يقف النقد الصحفي والفني مطالبًا بالهدوء والموضوعية لا دفاع أعمى باسم “التجديد”، ولا هجوم قاسٍ باسم “حماية التراث”.

تبقى أم كلثوم أكبر من أي عمل فني، وأقوى من أي جدل عابر أما السينما، فستظل تحاول الاقتراب من الأساطير، تصيب أحيانًا وتخطئ أحيانًا أخرى والحكم الحقيقي

سياسيًا ووطنيًا، برز دور أم كلثوم في دعم القضايا القومية، خاصة في فترات الأزمات فقد سخّرت فنها لإحياء الحفلات التي خُصّص ريعها لدعم المجهود الوطني، وأسهمت أغانيها ذات الطابع الحماسي في رفع الروح المعنوية وتعزيز الشعور بالكرامة والانتماء.

لم تكن هذه المواقف شعارات عابرة، بل ممارسات عملية أكسبتها احترامًا شعبيًا ورسخت صورتها كفنانة مسؤولة عن أثرها في المجتمع.

اجتماعيًا، مثّلت أم كلثوم نموذجًا للمرأة القوية التي شقّت طريقها في مجتمع محافظ، ونجحت في فرض حضورها واحترامها دون التخلي عن خصوصيتها، كانت إدارتها لمسيرتها الفنية، واختياراتها الدقيقة لأعمالها، دليلًا على وعيها بدورها وتأثيرها، ما جعلها قدوة لكثير من النساء في الاستقلال والثقة بالنفس.

كما أسهمت أم كلثوم في الارتقاء بالذائقة الفنية العامة، من خلال تعاونها مع كبار الشعراء والملحنين، مقدّمة نصوصًا غنائية راقية تجمع بين العمق والبساطة، بهذا الدور الثقافي، لم تكتفِ بتسلية الجمهور، بل شاركت في بناء وعي جمالي ما زال حاضرًا حتى اليوم.

في المحصلة، كان دور أم كلثوم المجتمعي امتدادًا طبيعيًا لفنها، حيث تداخل الصوت مع المسؤولية، والنجومية مع الالتزام، ولهذا، بقيت رمزًا يتجاوز حدود الزمن، وصوتًا لا يُستمع إليه فقط، بل يُستعاد بوصفه جزءًا من تاريخ المجتمع وهويته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *