من أعظم ما ابتُليت به الساحةُ الفكرية والدعوية في هذا الزمان تجرؤُ بعض الجهلة على مقاماتٍ جليلةٍ كان السلفُ يتحرَّزون عندها غايةَ التحرُّز، ومن ذلك الخوضُ بغير أدبٍ في شأن والدي سيِّدنا رسول الله ﷺ، بما يفضي إلى إيذائه صلواتُ ربي وسلامه عليه
فإنَّ وصفَ والديه عليهما السلام بالكفر انتقاصٌ لهما، وانتقاصُهما من الأذى البليغ وسوء الأدب مع جناب النبي ﷺ، وهو أمرٌ خطيرٌ لا يُستهان به، لما فيه من مساسٍ بمقامه الشريف
شاهدٌ من السُّنَّة على خطورة الأذى
روى ابنُ أبي حسين أن دُرَّةَ بنتَ أبي لهب كانت عند الحارث بن عبد الله بن نوفل، فولدت له عُقبةَ والوليدَ وأبا مسلم، فأكثر الناسُ في أبويها، فجاءت رسولَ الله ﷺ بالمدينة فقالت:
«يا رسولَ الله، ما ولدَ الكفارُ غيري؟»
فقال لها النبي ﷺ: «وما ذاكِ؟»
قالت: «قد آذاني أهلُ المدينة في أبويَّ»
فقال لها ﷺ: “إذا صلَّيتِ الظهرَ فصَلِّي حيث أرى”
فلما صلَّى النبي ﷺ الظهرَ، التفت إليها، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال:
«أيها الناس، ألكم نسبٌ وليس لي نسب؟»
فقام سيدنا عمرُ رضي الله عنه فقال: غضب اللهُ على من أغضبك
فقال ﷺ: هذه بنتُ عمي، فلا يقولنَّ لها أحدٌ إلا خيرًا
فإذا كان النبي ﷺ قد غضب لإيذاء بنتِ عمِّه بذكر كفر أبويها — مع ثبوت ذلك نصًّا — فكيف بإيذائه هو ﷺ بالخوض في شأن والديه وتكرار ذكر ما يُؤذيه؟
أقوالُ العلماء في خطورة الخوض في هذه المسألة
قال العلامة شهابُ الدين أحمد الحلواني الشافعي
«فالقولُ بكفر أبويه ﷺ زلَّةُ غافلٍ… فمن تفوَّه به فقد تعرَّض للكفر بإيذائه ﷺ»
واستدلَّ بما ورد أن عكرمة بن أبي جهل شكا إلى النبي ﷺ سبَّ الناس لأبيه، فقال ﷺ:
«لا تؤذوا الأحياءَ بسبِّ الأموات
فإذا رُوعيَ عكرمةُ رضي الله عنه في أبيه، فالنبي ﷺ أولى وأوجب أن يُصان جنابه عمَّا يؤذيه
أدبُ العلماء في طرح المسألة
قال ابن عابدين رحمه الله:
لا ينبغي ذكرُ هذه المسألة إلا مع مزيد الأدب، وليست من المسائل التي يضر جهلُها… فحفظُ اللسان عن التكلم فيها إلا بخيرٍ أولى وأسلم
وهذا من فقه العلماء؛ إذ جعلوا السكوتَ عمَّا لا ينفع — مع احتمال الأذى — هو المتعيِّن
مسالكُ العلماء في نجاة والدي النبي ﷺ:
ذكرت دارُ الفتوى المصرية جملةً من المسالك العلمية التي قال بها طوائف من أهل العلم، منها
*كونهما من أهل الفترة
لأنهما ماتا قبل البعثة، ومن لم تبلغه الدعوة لا يُعذَّب. وقد نصَّ العلماء على ذلك، وقرَّر الحافظ ابن حجر
«الظنُّ بهما أنهما يطيعان عند الامتحان»
* أنهما كانا على الحنيفية: أي على دين إبراهيم عليه السلام، ولم يثبت عنهما شرك، ومال إلى هذا جمعٌ من العلماء، منهم الفخر الرازي، مستدلين بقوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}
* أحياؤهما له حتى آمنا به: ومسلكٌ قال به طائفة من المحدِّثين، وإن استند إلى أحاديث ضعيفةٍ يتقوَّى بعضها ببعض.
*توجيهٌ دعويٌّ مهم: حذَّرت أمانةُ الفتوى من التسرع في إطلاق الأحكام، ودعت شباب الدعوة إلى التثبُّت وسؤال أهل العلم، مستشهدةً بقول النبي ﷺ: (إنما شفاءُ العِيِّ السؤال) فليس من الحكمة إشغالُ العامة بمسائل لا يترتب على جهلها ضرر، ولا على الخوض فيها نفع.
كلمةٌ أخيرة
إن الخوض في شأن والدي النبي ﷺ بغير علمٍ ولا أدبٍ مسلكٌ خطير، فيه إيذاءٌ لرسول الله ﷺ، ومجازفةٌ بسلامة الدين والأدب
فليتَّقِ اللهَ أولئك الخائضون في هذا المقام العظيم بهوىً وجهل، وليحفظوا ألسنتهم عمَّا لا ينفع، وليعلموا أن تعظيم النبي ﷺ لا يكون بالشعارات، بل بصيانة جنابه عمَّا يؤذيه
ونسأل الله الأدبَ مع نبيِّه ﷺ ظاهرًا وباطنًا، قولًا واعتقادًا، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه

