26 فبراير، 2026
مقالات

تهامي كرم يكتب: “التعليم: شريان الحضارة ونور المستقبل”

منذ فجر التاريخ، كانت مصر مشعلاً للعلم، ومرفأ للحضارة، وموطناً للعباقرة الذين نقشوا الحروف على جدران الزمن، وجعلوا من النيل شرياناً يروي عقول الأجيال، كما يروي المطر الأرض العطشى. التعليم في مصر ليس مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل هو قلب ينبض بالحضارة، وجسر يمتد من أعماق الماضي إلى مستقبل الأمم، وسراج يضيء دروب الوطن ليبقى حيّاً متألّقاً. كل حجر من أهراماتها، وكل مخطوطة في مكتباتها، يشهد بأن مصر وُلدت لتعلّم، وأن رسالتها باقية كنور لا يخبو، طالما هناك من يحمل الراية ويؤمن بأن العلم أساس المجد، وركيزة النهضة، وضمانة استمرار الوطن.
ومن ثلاثين عاماً من الخبرة الميدانية في ساحات التعليم، تعلمت أن إصلاح التعليم يشبه نسج قماش من ضوء، يحتاج إلى صبر الخياط، ودقة الإبرة، وحرص اليد التي تمسك الخيط، قبل أن يُعرض على العيون. ليجد كل طالب مكانه الطبيعي في رحلة التعلم، ولكل معلم دوره في بناء الشخصية والفكر، ولتصبح المدرسة سفينة تشق أمواج الجهل، وتحمل الأمل إلى برّ المعرفة.
لقد خاضت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة رحلة إصلاح واعية، تشبه نسيم الصباح الذي يعيد ترتيب أشرعة السفينة بعد عاصفة طويلة. فكانت المدارس الجديدة كالنوافذ المفتوحة في جدار مزدحم، يتنفس منها الطلاب هواء الأمل، ويستنشق المعلمون نسمات التجديد. وتراجعت الكثافات خطوة خطوة، كما ينحسر الليل عن الفجر حين يأتي متأنياً واثقاً، حاملاً بشائر الصباح، ليصبح الفصل مساحة للمعرفة، لا مجرد صفوف وأعداد.
ويُحسب للوزارة أنها جفت جراح نقص المعلمين، وأعادت التخصص إلى أهله، فأصبح الفصل أكثر اتزاناً، والمعلم في موقعه الطبيعي، لا مثقلاً بما لا يُحتمل، مثل شجرة عملاقة ارتدت جذورها بعد العاصفة، وامتدت أغصانها نحو السماء، تمنح الظل والعطاء معاً. ولم يكن التحول الرقمي مجرد رفاهية، بل محاولة لإعادة التعليم من ضيق الحفظ إلى رحابة الفهم، ومن تراكم المعلومات إلى إعمال العقل، خطوة تشبه البذرة الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية وصبر، لتزهر في يوم قريب شجرة معرفية وارفة الظلال.
ومن قلب التجربة، أدركت أن المدرسة كالسفينة، قد تكون خرائطها دقيقة، لكن مصيرها يتوقف على ربانها. فالإدارة الواعية هي التي تعرف متى تشد الشراع، ومتى تخففه، ومتى تحسم القرار، ومتى تصغي لصوت المعلم والطالب معاً. ومنح القيادات الميدانية مساحة محسوبة من الصلاحية، مع محاسبة عادلة، يحول السياسات من أوراق صامتة إلى أفعال ناطقة، كالموسيقى التي توقظ الروح من سباتها، أو الشمس التي تكشف الظلال لتُضيء الطريق.
ولا يكتمل إصلاح التعليم ما لم يُعاد المعلم إلى مكانه الطبيعي، لا موظفًا يؤدي واجبًا، بل حامل رسالة يزرع الوطن في قلبه وعقله. فالمعلم هو البذرة، والمنهج هو الماء، والإدارة هي التربة، وإذا فسدت واحدة، تعثر الحصاد كله. التدريب الحقيقي، والتحفيز العادل، والرعاية المهنية ليست مكافآت، بل حقوق تضمن بقاء التعليم حيًا، لا مجرد قائم.
إن حبي لمصر ليس شعارًا يُرفع، بل مسئولية تُمارس يوميًا، ونار تتوقد في القلب مع كل درس يُعلّم، ومع كل عقل يُنير. ومساندتي لجهود الدولة في إصلاح التعليم نابعة من يقين راسخ بأن هذا الوطن، الذي علّم العالم معنى الحضارة، قادر على أن يضيء المستقبل إذا اجتمع الفكر، وخلص القصد، وصبر العمل.
سيظل التعليم هو الرهان الأكبر، والمعركة الأصدق، والوصية التي لا تقبل التأجيل. وسنظل، ما دام في العمر بقية، نقف في صف الوطن، نصلح ما استطعنا، وننبه حيث يجب التنبيه، ونبني حيث تسمح الإمكانات، مؤمنين بأن الأمم لا تُقاس بما تملك، بل بما تُعلّم، ولا تُخلد بما تُشيّد، بل بما تُنير من عقول، وأن كل جهد في التعليم رسالة حب خالدة للوطن، وشريان الحياة الذي يحيي مصر للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *