23 يناير، 2026
مقالات

تهامي كرم يكتب : وداعا رمز التعليم والمنهجية… د. محمد صلاح

حين يرحل إنسان صنع من العلم والأخلاق جسراً يربط بين السلطة والضمير، يصبح الفقد أثقل من كل وداع عابر، وأكثر حضورًا من أي ذكرى سطحية.
هكذا ودعنا د. محمد صلاح، وكيل وزارة التربية والتعليم بالمنوفية، الذي لم يكن مجرد موظف في موقعه، بل رمزًا للثبات والنزاهة، ورافدًا للعلم والمعرفة، ويدًا بيضاء امتدت على كل شؤون المديرية.
لم يكن د. صلاح يقيس النجاح بالشهرة أو المناصب، بل كان يقيسه بسلامة العملية التعليمية، وطمأنينة المعلمين، وانضباط الامتحانات، وحفظ حقوق الطلاب.
لقد قضى سنواته في حقل التربية كفارس صبور، يصد الرياح العاتية، ويمنع التسريبات كما يغلق الحصن أبوابه على الغزاة، ويبسط العدالة في كل زاوية، حتى خبت الصراعات، وعادت الأجواء هادئة كنسيم الصباح بعد عاصفة ليلية.
في كل قرار، كان د. صلاح يزرع الأمانة قبل التوجيه، والعلم قبل التنفيذ، والهدوء قبل الحكم.
كانت أياديه بيضاء كما أوراق الكتاب التي يقرأها الطالب، ممتدة بالعدل والمحبة لكل من حوله، فتخففت الأعباء عن الزملاء والمعلمين، وعاد احترام العمل لمساره الطبيعي، وعاد الفعل الإداري إلى معناه الحقيقي: خدمة الوطن، لا صراع النفوس.
و لعل عزاءنا الكبير أنه عند انتهاء عهد هذا الرجل العظيم، جاء من يخلفه أ. هاني عنتر، رجل نعتبره ابنا من أبناء المنوفية، فهو يملك خبرة طويلة وكفاءة معترف بها، ليواصل المسيرة دون انقطاع، ويضمن استقرار العملية التعليمية كما عهدناها.
فكما أن الشمس لا تغيب دون أن يبقى نورها في الأفق، كذلك يترك د. محمد صلاح إرثًا من النظام والهدوء، ليكون منارة لكل من سيأتي بعده، ومرشدًا لكل من يريد السير على طريق التعليم الصحيح.
نودع اليوم رجلاً علّمنا أن الأخلاق تصنع المعجزات، والعلم يحرر العقول، والإدارة الهادئة تقيم السلام في المؤسسات.
ونشهد له أننا عرفنا في زمن التغيرات العاصفة رمزًا للثقة، ومرجعية للقرار الصائب، وواحدًا من أولئك الذين يبقون في الذاكرة، لا كاسم يُذكر، بل كأثر يُحسّ، وكنهر جاري في حياة كل من خدم تحت قيادته.
وداعًا د. محمد صلاح…
وعسى الطريق الذي يشرعه لمن بعدك أن يكون مشرقًا، كما جعلت أيامك في المديرية مضيئة بالعدل والعلم والأخلاق، ليبقى في قلوبنا أيقونة التعليم والمنهجية الرفيعة، ودرسًا لكل من سيحمل مشعل التربية في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *