كتب فتحي السايح
كشف الخبير الاقتصادي د. عصام درويش عضو سابق بالمجالس القومية المتخصصة ورئيس مجلس أمناء مؤسسة المالك للتنمية الإنسانية، بينما يعيد العالم تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، تبرز مصر كلاعب لا يمكن تجاوزه في خارطة المستقبل الصناعي. وفي ضوء التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الصناعة المصري حول استراتيجية وطنية طموحة، أرى من واجبي كخبير اقتصادي وعضو سابق بالمجالس القومية المتخصصة، أن أقدم قراءة تحليلية لهذا التوجه الذي يلخص “عبورنا الصناعي الجديد”.
واكد إن الهدف المعلن بوضع مصر ضمن أفضل 3 دول عالمياً في 6 صناعات استراتيجية خلال 5 إلى 7 سنوات، ليس مجرد أرقام طموحة، بل هو خطة عمل تتطلب فهماً عميقاً للواقع العالمي والمحلي. ومن منطلق مسؤوليتنا في مؤسسة المالك للتنمية الإنسانية، نضع بين أيديكم هذه الرؤية التي لا تهدف فقط لرفع سقف الصادرات، بل لصياغة هوية “صنع في مصر” كعلامة جودة عالمية تنافس في نادي الكبار بحلول عام 2030.
الركائز الثلاث لنجاح الطموح الصناعي
ويوضح د. درويش تعليقاً على الخريطة الصناعية المطروحة، أرى أن نجاح هذا المسار يرتكز على 3 ركائز غير مسبوقة يجب التركيز عليها:
اقتناص فرصة الـ Nearshoring
لتكون مصر البديل الأول للأسواق الأوروبية بدلاً من المراكز الآسيوية البعيدة، خاصة في ظل اضطرابات سلاسل التوريد العالمية.
التحول الرقمي الجذري
إنهاء “البيروقراطية الصناعية” عبر رقمنة التراخيص وتفعيل الرخصة الذهبية، مما يختصر سنوات من الإجراءات في أشهر قليلة.
تعميق المكون المحلي الانتقال من سياسة “التجميع” إلى “التصنيع الكامل” لضمان استدامة العملة الصعبة وبناء صناعة حقيقية ذات قيمة مضافة عالية.
الصناعات الستة
أرقام تتحدث عن مستقبل واعد
بناءً على البيانات المتاحة حتى مطلع 2026، فإن القطاعات المستهدفة تظهر زخماً حقيقياً
الهندسة والأجهزة الكهربائية
تتصدر كـ”الحصان الرابح” بصادرات 6.5 مليار دولار (2025)، مستهدفة 13 مليار دولار بحلول 2030، مع قوة في أسلاك النحاس والشاشات.
الكيماويات والأسمدة
الأكبر تصديراً غير البترولي بـ 9.43 مليار دولار، وتصدير لأكثر من 150 دولة، مع مكانة متقدمة في اليوريا عالمياً.
الملابس الجاهزة
قفزة بنمو 22% لتصل إلى 3.4 مليار دولار، مما يؤهل مصر لتكون أكبر مصدر في أفريقيا
الغذائية
6.8 مليار دولار صادرات، مع اختراق صيني بنمو 148%، والريادة العالمية في التمور.
الهيدروجين الأخضر
رهان المستقبل باستثمارات 215 مليار دولار، واستهداف إنتاج 3.2 مليون طن سنوياً بحلول 2030.
الدوائية
استهداف رفع الصادرات إلى 3 مليارات دولار، مع التركيز على اللقاحات والتصدير لأفريقيا.
حوافز استثنائية: بيئة تمكينية غير مسبوقة
ولم تكتفِ الدولة بوضع الأهداف، بل وفرت بيئة استثمارية جاذبة عبر حزمة حوافز تهدف إلى تقليل التكاليف التشغيلية
الرخصة الذهبية:* موافقة شاملة في خطوة واحدة للمشروعات الاستراتيجية.
الحوافز الضريبية:* خصم يصل إلى 50% من التكلفة الاستثمارية في المناطق الأكثر احتياجاً (قطاع أ)
*حزمة الهيدروجين الأخضر:* حافز نقدي لاسترداد 33% إلى 55% من الضريبة، وإعفاءات جمركية كاملة للمعدات.
*تسهيلات جمركية*
ضريبة موحدة 2% فقط على الآلات والمعدات المستوردة للإنشاء.
رؤيتنا تنصب على أن: الإنسان الصانع محور التنمية إن العبور نحو اقتصاد صناعي مستدام لا يتوقف فقط على ضخ الاستثمارات، بل على بناء “الإنسان الصانع” وربط عقل الدولة (البحث العلمي) بذراعها (المصانع). نحن في مؤسسة المالك نرى أن هذه الصناعات الست هي حجر الزاوية لتنمية إنسانية واقتصادية شاملة تضع المواطن المصري في قلب قطار التنمية العالمي.ونؤمن أن ربط البحث العلمي بالإنتاج هو “المحرك الخفي” لنجاح هذه الاستراتيجية، حيث لم تعد الجامعات ومراكز البحوث بمعزل عن الواقع الإنتاجي، وهو ما يدعم التوجه الحكومي نحو ربط التكنولوجيا بالصناعة.
إن مصر على بداية طريق التحول الصناعي. حيث تشير المؤشرات إلى أن مصر تسير بخطى مدروسة نحو تحقيق أهداف طموحة. والنتيجة النهائية لهذه الاستراتيجية ستحدد خلال السنوات الخمس إلى السبع القادمة ما إذا كانت مصر ستنجح في دخول نادي الكبار عالمياً في هذه الصناعات الست. الأرقام موجودة، والحوافز متاحة، والإرادة السياسية واضحة. ويبقى التنفيذ والكفاءة التشغيلية هما العاملان الحاسمان في هذه المعادلة. مصر صنعت خطتها، والآن حان وقت التنفيذ.


