دكتور ياسر بغدادي يكتب: الانعكاسات المحتملة لقرار شركة قطر للطاقة بوقف بعض الصناعات البتروكيماوية على توازن أسواق الأسمدة وصناعة البتروكيماويات والأمن الغذائي العالمي.
تُعد صناعة البتروكيماويات في الدول الأعضاء من الركائز الأساسية للاقتصاد، ليس فقط لما توفره من عوائد مالية، بل لما تمثله من امتداد مباشر إلى قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعات التحويلية. ويبرز هذا الترابط بوضوح في ضوء إعلان شركة قطر للطاقة في الثالث من شهر مارس 2026 إيقاف بعض الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية، وذلك عقب تعرض منشآت إنتاج الغاز لاعتداء أدى إلى تعطل جزئي في عمليات الإمداد والتشغيل. ويُعد هذا التطور حدثاً ذا أبعاد تتجاوز قطاع الطاقة، إذ يمتد أثره إلى أسواق الأسمدة والمنتجات الصناعية وحركة التجارة البحرية في المنطقة، نظراً لاعتماد مجمعات البتروكيماويات بصورة مباشرة على الغاز الطبيعي كلقيم أساسي للإنتاج.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة قطر المتقدمة في سوق اليوريا العالمي عبر شركة ” قافكو”QAFCO، التي تُعد من أكبر منتجي ومصدري اليوريا في العالم بطاقة إنتاجية تتجاوز 12 مليون طن سنوياً. ونظراً لاعتماد الزراعة الحديثة على الأسمدة النيتروجينية كمدخل رئيسي لزيادة الإنتاجية، فإن أي توقف في إنتاج اليوريا ينعكس سريعاً على توازن السوق العالمية، لا سيما في الدول التي تعتمد على واردات الدول الأعضاء في أوابك لتأمين احتياجاتها الزراعية. وفي مثل هذه الحالات، تميل الأسعار إلى الارتفاع نتيجة تراجع المعروض، وقد تشهد الأسواق ارتفاعات ملحوظة إذا كان التوقف قصير الأجل، بينما قد تصل إلى مستويات غير مسبوقة إذا طال أمد التعطل أو تزامن مع ضغوط إضافية في الإمدادات.
ولا يقف الأمر عند حدود الأسعار، إذ إن ارتفاع تكلفة الأسمدة ينعكس مباشرة على قرارات المزارعين، خصوصاً في الدول النامية ذات الموارد المحدودة. فزيادة أسعار المدخلات قد تدفع إلى تقليص استخدامها أو إعادة هيكلة الخطط الزراعية، مما قد يؤدي إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل. ومع انتقال هذا الأثر عبر سلاسل التوريد، تتزايد الضغوط على أسعار الغذاء في الأسواق المحلية والدولية. وتزداد حساسية هذا الوضع في ظل التغيرات المناخية وتسارع النمو السكاني، حيث تصبح منظومة الأمن الغذائي أكثر عرضة لأي اضطراب في مدخلات الإنتاج الأساسية. ومن ثم، فإن التطورات الأخيرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مسألة صناعية بحتة، بل كحدث ذي أبعاد استراتيجية تمس استقرار الإمدادات الغذائية عالمياً.
وفي موازاة ذلك، يمتد التأثير إلى منتجات بتروكيماويات أخرى مثل الأمونيا والميثانول والبوليمرات، وهي مواد تمثل مدخلات أساسية في صناعات البلاستيك والتعبئة ومواد البناء والعديد من التطبيقات الصناعية. فتراجع الإمدادات يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الأسعار وتقلبات في الأسواق الفورية، كما يدفع المستوردين إلى البحث عن مصادر بديلة غالباً ما تكون أعلى تكلفة وأطول زمناً في الشحن، الأمر الذي يضيف أعباء إضافية على سلاسل القيمة الصناعية ويؤثر على تنافسية المنتجات النهائية.
وتتفاقم هذه التداعيات إذا ما ارتبطت بعوامل جيوسياسية تؤثر في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يشكل ممراً حيوياً لصادرات الطاقة والمواد الأولية من الدول الأعضاء في أوابك من دول الخليج العربي فأي اضطراب في هذا المسار لا يؤثر فقط على تصدير المنتجات النهائية، بل قد يعرقل أيضاَ تدفق اللقيم اللازم لتشغيل مجمعات البتروكيماويات العالمية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري. وعند اجتماع عاملَي نقص المعروض وارتفاع تكلفة النقل، تتعزز الضغوط السعرية بصورة أكبر، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة للتقلبات الحادة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق بين الدول الأعضاء لضمان استقرار الأسواق والحفاظ على المكانة العالمية لصناعة البتروكيماويات للدول الأعضاء. فتعويض أي نقص في الإمدادات يتطلب إدارة مرنة للطاقة الإنتاجية المتاحة، وإعادة توجيه الصادرات وفقاً لأولويات السوق، إلى جانب تبادل المعلومات بشأن المخزونات والطاقة الفائضة. كما أن تنسيق السياسات الإنتاجية والتصديرية يمكن أن يسهم في تهدئة الأسواق ومنع تقلبات حادة قد تضر بالمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ويعزز الثقة الدولية في قدرة الدول الأعضاء على إدارة الأزمات بصورة مسؤولة ومتوازنة.
وفي المقابل، قد تمثل هذه التطورات فرصة للدول الأعضاء الأخرى لتعزيز حضورها في السوق العالمية، سواء من خلال رفع الطاقات الإنتاجية للأسمدة والمنتجات البتروكيماوية ذات الصلة، أو عبر تحسين مستويات التنسيق في إدارة المخزونات وتوجيه الصادرات نحو الأسواق الأكثر تأثرًا. كما أن الاستثمار في تقنيات أكثر كفاءة واستدامة في مجال الأسمدة والبتروكيماويات يمكن أن يسهم في تقليل هشاشة سلاسل الإمداد مستقبلًا، ويعزز قدرة الصناعة الإقليمية على التعامل مع الصدمات الخارجية بكفاءة أكبر.
واخيراً، تكشف التطورات الأخيرة عن الترابط العميق بين الطاقة والبتروكيماويات والزراعة والتجارة الدولية، وتؤكد أن أي اضطراب في إحدى هذه الحلقات ينعكس سريعاً على المنظومة بأكملها. ويبقى حجم الأثر النهائي مرتبطًا بمدة التوقف ومدى قدرة المنتجين الآخرين على التعويض، غير أن التعامل المنسق والواعي من قبل الدول الأعضاء يظل عنصراً حاسماً في احتواء التداعيات والحفاظ على استقرار الأسواق العالمية.
…
كاتب المقال: دكتور ياسر بغدادي.. خبير أول صناعات نفطية بإدارة الشؤون الفنية بمنظمة الأوابك

