13 فبراير، 2026
مقالات

اسامه القلماوي يكتب: محكمة بلا قاضٍ

في زمن السوشيال ميديا، لم تعد المنصات الرقمية ساحات للرأي، بل تحولت إلى محاكم مفتوحة، بلا قاضٍ، بلا قانون، وبلا ميزان عدل. يُنصَّب فيها كل صاحب حساب قاضيًا، ويُجرى فيها التحقيق بالحكايات، ويصدر الحكم بعدد المشاهدات، لا بوزن الحقيقة.
يجلس المتهم على مقاعد الاتهام دون أن يُستدعى، وتُتلى عليه لائحة اتهام صيغت من الشائعات، ويُدان قبل أن يُمنح حق الدفاع. منشور واحد، أو فيديو مجتزأ، كفيل بأن يهدم سمعة، ويشوه تاريخًا، ويترك أثرًا لا تمحوه الاعتذارات.

في هذه المحكمة الرقمية، لا تُطلب الأدلة، ولا يُسأل عن المصدر، ولا يُراجع السياق. يكفي الاتهام، ويكفي الصخب، ويكفي أن تكون القصة قابلة للتداول. أما الحقيقة، فغالبًا ما تُستبعد لأنها لا تحقق “تريند”.

الأسماء المستعارة تؤدي دور الأقنعة، تمنح وهم الشجاعة، وتغذي وهم الإفلات من العقاب. لكن ما يغيب عن كثيرين أن القناع قد يسقط، وأن الجريمة تظل جريمة، حتى وإن كُتبت بحروف إلكترونية، وحتى وإن صُوِّرت على أنها “رأي”.

الأخطر أن هذه المحكمة بلا قاضٍ تُدرِّب الجمهور على الاعتياد: الاعتياد على الاتهام، على التشهير، على اقتحام الخصوصيات. فيتحول المشاهد من متلقٍ إلى شريك، ومن صامت إلى مُصفِّق، ومن متفرج إلى جزء من الجريمة.

السوشيال ميديا ليست عدوًا في ذاتها، لكنها تصبح كذلك حين تُستخدم كسلاح. فحرية التعبير لا تعني حق إصدار الأحكام، والنقد لا يبرر إعدام السمعة، والاختلاف لا يمنح رخصة الهجوم على الكرامة الإنسانية.

وفي محكمة بلا قاضٍ، يبقى السؤال الأخطر:
من يُنصف الضحية بعد أن يصدر الحكم؟
ومن يُعيد السمعة بعد أن تُنشر الإدانة؟
وهل يكفي حذف منشور لإلغاء أثر حكم صدر أمام الملايين؟

لأن بعض الأحكام، حين تصدر من الجموع، لا تحتاج إلى قاضٍ… لكنها تترك جريمة كاملة الأركان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *