24 يناير، 2026
مقالات

الدكتور أمجد الوكيل يكتب: تراجيديا الأرقام ومنطق الاستدامة.. كيف نبني نظام طاقة لا يخذل المواطن؟

في خضم التسارع العالمي نحو ما يُسمّى بـ«التحول الطاقي»، يطغى أحيانًا صخب الأرقام والنسب المئوية على جوهر الهدف الحقيقي. فالإعلان عن السعي للوصول إلى 42% أو 65% من الطاقة المتجددة بحلول عام بعينه هو طموح مشروع بلا شك، لكنه يجب أن يظل وسيلة لا غاية. فالمواطن البسيط لا يعنيه كثيرًا مصدر الكيلووات، بقدر ما يعنيه استقراره، وتكلفته، واستدامة إتاحته.
أولاً: معضلة الطاقة الثلاثية (Energy Trilemma)
أي استراتيجية طاقة وطنية رشيدة يجب أن توازن بين ثلاثة أبعاد متعارضة بطبيعتها، تُعرف عالميًا بـ«المعضلة الثلاثية للطاقة»:
– أمن الإمدادات: ضمان استمرارية التيار دون انقطاع، سواء غابت الشمس أو سكنت الرياح.
– العدالة السعرية: أن تظل الطاقة محركًا للتنمية، لا عبئًا يرهق ميزانيات الأسر ويؤثر على تنافسية الصناعة.
– الاستدامة البيئية: خفض الانبعاثات الكربونية حفاظًا على حقوق الأجيال القادمة.
إن التركيز المفرط على بُعد الاستدامة البيئية، دون مراعاة كافية لعُنصري السعر والاستقرار، قد يقود إلى نتائج غير مقصودة، حيث ترتفع تكلفة الطاقة النظيفة على نحو لا يخدم الاقتصاد الحقيقي، بما قد يفرض تحديات اجتماعية وصناعية ينبغي التحسب لها مبكرًا.
ثانيًا: من «الطاقة المتقلبة» إلى «النظام المستقر»
التحدي الجوهري لمصادر الطاقة المتجددة، خاصة الشمس والرياح، يكمن في طبيعتها المتقطعة. لذا، فإن زيادة مساهمتها في الشبكة القومية يجب أن تسير بالتوازي مع مسارين حاسمين:
– توطين تكنولوجيا التخزين: لا يكفي التوسع في تركيب الألواح والتوربينات، بل لا بد من تطوير القدرات المحلية في تكنولوجيا البطاريات وحلول التخزين واسعة النطاق، لتحويل الفائض اللحظي إلى طاقة متاحة وقت الذروة. وفي هذا السياق، تُعد الخطوات التي تتخذها مصر حاليًا في هذا الاتجاه تطورًا إيجابيًا، شريطة أن يستند هذا المسار إلى دراسات جدوى فنية واقتصادية دقيقة تضمن الاستدامة والكفاءة.
– المزيج الطاقي المتوازن (Balanced Energy Mix): الحكمة تقتضي عدم الاعتماد على مصدر واحد. فوجود الطاقة النووية والطاقات التقليدية كمصادر طاقة قاعدة (Base Load) يظل ضرورة فنية لضمان ثبات الشبكة وموثوقيتها.
ثالثًا: الهيدروجين الأخضر… طموح استراتيجي بشروط
رغم التحديات الفنية واللوجستية المرتبطة بالنقل والتخزين، يبقى الهيدروجين الأخضر خيارًا استراتيجيًا واعدًا، لا ليحل محل الكهرباء في الاستخدامات المنزلية، بل لدعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة —كالصلب والأسمنت— في مسار خفض الانبعاثات. غير أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لخفض تكلفة التكنولوجيا محليًا، وتعظيم العائد الاقتصادي منها، وتحويلها إلى قيمة مضافة للصادرات، مع إدارة متوازنة لآليات التمويل بما يحافظ على استدامة القطاع.
الخاتمة: بين متطلبات التكنولوجيا واعتبارات الاستقلال
إن التحدي الحقيقي في ملف الطاقة لا يكمن في عدد المشروعات المنفذة، بل في بناء القدرات البشرية والعلمية القادرة على التصميم والتطوير والتصنيع. فالتحول إلى الطاقة النظيفة يحقق أهدافه الكاملة فقط عندما يُصاحَب بتوطين المعرفة وتعزيز البحث العلمي، بما يضمن تعظيم الفائدة الوطنية من هذا التحول.
إن السيادة الطاقية الحقيقية تتحقق حين يصبح الكيلووات نظيفًا في منبعه، مستقرًا في شبكته، وقائمًا على قاعدة تكنولوجية محلية متنامية. عندها فقط نكون قد اقتربنا من المعادلة الصعبة: طاقة تحمي البيئة، وتدعم الاقتصاد، وتضيء المستقبل دون أن تُثقل كاهل الحاضر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *