ليست العلاقة بين مصر والمملكة العربية السعودية علاقة عابرة تحكمها المصالح الظرفية أو التفاهمات المؤقتة، بل هي نموذج راسخ لعلاقة تاريخية أخوية واستراتيجية، تشكلت عبر عقود طويلة من التفاعل السياسي والاقتصادي والثقافي، ونجحت في الصمود أمام محاولات التشكيك والوقيعة، لتبقى عصية على الفتن وقادرة على التجدد.
منذ البدايات الأولى لتأسيس الدولة السعودية الحديثة، كانت مصر حاضرة بوصفها سندًا عربيًا مهمًا، فيما نظرت القاهرة إلى الرياض باعتبارها عمقًا عربيًا وإسلاميًا لا غنى عنه.
وتعزز هذا الإدراك المتبادل مع مرور الزمن، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية، حيث أدرك البلدان أن استقرار أحدهما هو ركيزة لاستقرار الآخر، وأن قوة الموقف العربي تبدأ من تماسك أعمدته الرئيسية.
وقد شكل البعد السياسي أحد أبرز ركائز هذه العلاقة، ففي القضايا العربية المصيرية من أمن الخليج، إلى القضية الفلسطينية، مرورًا بأزمات الإقليم المعقدة ظل التنسيق المصري السعودي عنصر توازن أساسي، يهدف إلى حماية الأمن القومي العربي ورفض التدخلات الخارجية ومحاولات العبث بمصير الدول، هذا التنسيق لم يكن دائمًا صاخبًا أو استعراضيًا، بل اتسم في كثير من الأحيان بالحكمة والهدوء والعمل من خلف الكواليس، وهو ما منح مخرجاته قدرًا أكبر من الاستدامة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تطورت الشراكة بين البلدين لتصبح أكثر عمقًا وتنوعًا، فالمملكة تعد من أكبر الشركاء الاقتصاديين لمصر، سواء من حيث الاستثمارات أو التبادل التجاري أو التعاون في مجالات الطاقة والتنمية، وفي المقابل، تمثل مصر بسوقها الواسعة وكفاءاتها البشرية وبنيتها المؤسسية شريكًا استراتيجيًا مهمًا لرؤية السعودية التنموية، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة، هذا التكامل الاقتصادي يعكس إدراكًا مشتركًا بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا عبر التعاون طويل الأمد، لا عبر المكاسب السريعة.
ولا يمكن إغفال البعد الشعبي والثقافي في هذه العلاقة، فالعلاقات بين الشعبين المصري والسعودي تمتد إلى ما هو أبعد من الاتفاقيات والبيانات الرسمية، ملايين المصريين عاشوا ويعملون في المملكة عبر عقود، وأسهموا في نهضتها التعليمية والطبية والهندسية، فيما ظلوا يحتفظون بروابط وجدانية عميقة مع وطنهم الأم، وفي المقابل، تحظى السعودية بمكانة خاصة في وجدان المصريين، دينيًا وثقافيًا وإنسانيًا، وهو ما منح العلاقة بعدًا إنسانيًا يصعب كسره أو تشويهه.
ورغم هذه الجذور العميقة، لم تسلم العلاقة من محاولات التشكيك وبث الفتن، خاصة في أوقات الأزمات الإقليمية أو التحولات السياسية الكبرى. إلا أن التجربة أثبتت أن ما يجمع القاهرة والرياض أكبر بكثير مما يفرّق، وأن الخلافات إن وُجدت تُدار داخل إطار من الاحترام المتبادل والحرص على المصالح العليا، لا عبر التصعيد أو القطيعة، وهذا ما يفسر قدرة العلاقة على تجاوز العواصف الإعلامية والحملات الممنهجة التي تسعى إلى ضرب الصف العربي من داخله.
في المحصلة، تمثل العلاقة المصرية السعودية صمام أمان للمنطقة العربية، ونموذجًا لعلاقة استراتيجية قائمة على التاريخ والمصالح المشتركة والرؤية المستقبلية، هي علاقة تعرف كيف تختلف دون أن تنكسر، وكيف تتطور دون أن تفقد جوهرها، ولهذا، ستبقى كما كانت دائمًا عصيّة على الفتن، وقادرة على حماية نفسها، لأنها ببساطة ليست علاقة مصالح فقط، بل علاقة مصير مشترك.

