غلبان.. أم ساذج؟ وهل الطيبة “انتحار”؟
سؤال بيتردد كتير، وإجابته بتوجع:
هل لما بنقول على حد “غلبان”، إحنا كدة بنمدح أخلاقه ولا بنشتم قلة حيلته؟

الغلبان… كلمة صغيرة، لكنها ثقيلة. والمؤسف إن نظرة الناس للكلمة دي اتغيرت؛ مبقتش بس بتوصف اللي ظروفه صعبة، لأ دي بقت “تصنيف” جاهز لأي حد “صاحب قيم ومبادئ”. بقينا في زمن، أي حد محترم، مبيعرفش يلف ويدور، وماشي بما يرضي الله وسط عالم مليان “فهلوة”، بيتشاور عليه باستخفاف ويتقال: “يا عم ده غلبان”.. وكأن المبادئ بقت قلة حيلة، أو كأن اللي بيراعي ضميره إنسان “على نياته” ومش فاهم الدنيا!
لكن الحقيقة إن “الغلبان” ده مش دايمًا ضعيف، ومش معنى إنه اختار الطريق المستقيم إنه بلا حيلة أو مش قادر يحافظ على نفسه. بالعكس، الغلبان الحقيقي هو اللي بيحارب عشان يحافظ على كرامته، أخلاقه، وصوابه، رغم كل الإغراءات إنه يتنازل زيه زي غيره.
أنا مش بقصد من الكلام إن الغلبان يستسلم أو يسيب الحياة تمشي عليه. لا، الغلبان بيتحرك، الحياة بتدفعه، لكنه يمشي بخطواته بعزّة وشرف، متمسك بمبادئه حتى لو الناس حوله مش فاهمين وقعدوا يرددوا نغمة “ده غلبان”. ده مش هينقص منه حاجة، لأن جوهره أعمق من أي كلمة.
وهنا لازم نقف قدام خيط رفيع جداً بيفصل بين “الطيبة” و”السذاجة”. في زماننا ده، ناس كتير بتشوف إن الإنسان المسالم الطيب هو فريسة سهلة، وبيعتبروا إن اللي يعيش بقلب أبيض وسط “الوحوش” هو ببساطة بيمارس نوع من أنواع “الانتحار الاجتماعي”.
لكن الحقيقة غير كده خالص.. “الساذج” هو اللي ميعرفش الشر فين فبيقع فيه عن جهل. أما “الغلبان” -بمعدنه الأصيل- هو اللي شايف الشر، وعارف ألاعيب الناس، بس بيختار بإرادته الحرة إنه ميتلوثش زيهم. هو بيختار يشتري دماغه وضميره؛ الغلبان الحقيقي مش اللي ميعرفش يخربش.. الغلبان هو اللي ضوافره حادة بس بيختار ميجرحش حد خوفاً من الله وحفاظاً على إنسانيته.
الغلبان كمان بيحاول يعيش من غير ما حد يستغله. ومهم إن إحنا كمان نعرف نقدر الناس دول، نساعدهم، ونقف معاهم لما يخطئوا بدل ما نستغل ضعفهم. التقدير، الدعم، والوعي أهم من أي كلمة تلصق على أي شخص بسبب ظروفه.
أما الظالم، اللي بيحاول يبرر قسوته ويقول: “أنا بظلم عشان أعيش”، أو “ده غلبان، أقدر أستغله”، فهو بس بيخدع نفسه. الظروف مش تبرير للظلم، ولا عذر لفقدان الأخلاق. الإنسان القوي هو اللي يحافظ على مبادئه في أصعب اللحظات، ويعرف الفرق بين الضغط والحق.
في النهاية، مش المهم الظروف تفرض عليك إيه… المهم إنت تختار تكون مين رغم كل الصعاب. الغلبان الحقيقي يعرف قيمته، يحميها، يعيش بكرامة، يتمسك بالقيم، ويقدر الناس اللي حواليه، يساعدهم، يقوّمهم لما يخطئوا، ويظل محافظ على إنسانيته… حتى لو اتقال عليه “غلبان”. والظالم، مهما حاول يبرر، الحقيقة هتبان على ضميره ومجتمعه، ولا حاجة تخبيه.
سؤال للتفكير:
هل الإنسان الذي يحافظ على قيمه وسط الضغوط أقوى من الإنسان الناجح مادياً لكنه بلا مبادئ؟
الحياة تضعنا دائماً في اختبارات صعبة، لكن التحدي الحقيقي ليس فقط في الاختيار بين أن تكون “ذئباً” ينهش أو “حملاً” يُؤكل.. التحدي الأكبر هو أن تنجح في المعادلة الثالثة الأصعب:
“أن تعيش قوياً لا تُظلَم.. وتقياً لا تَظلِم”
أن تمتلك القوة والوعي لتحمي حقك وكرامتك من الاستغلال، وفي نفس الوقت تملك الضمير الذي يمنعك من التعدي على غيرك مهما كانت المغريات. فهل نستطيع تحقيق هذا التوازن؟

