تسوي هاو، عضو هيئة التدريس، كلية العلاقات الدولية والشؤون العامة، جامعة شنغهاي للدراسات الدولية
قوه شو يونغ، كبير الخبراء وأستاذ في معهد أبحاث فكر شي جين بينغ بشأن الدبلوماسية – مركز أبحاث بجامعات شنغهاي
مقدمة: يصادف الثالث من سبتمبر من هذا العام الذكرى الثمانين لانتصار حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني، وهي أيضًا ذكرى هامة لانتصار الحرب العالمية ضد الفاشية. فإزاء العدوان الشامل للفاشية اليابانية، وُحد الشعب الصيني، وذلك بقيادة الحزب الشيوعي الصيني القوية، ومن خلال التعاون بين حزب الكومينتانغ والحزب الشيوعي، قويت الجبهة الوطنية المتحدة المناهضة لليابان، وخاض الشعب الصيني حرب تحرير وطنية شاقة وصعبة. ولقد كانت الصين إحدى ساحات المعارك الشرقية الرئيسية في الحرب العالمية ضد الفاشية، حيث تكبدت ساحة المعركة الصينية خسائر فادحة تجاوزت 35 مليون قتيل وجريح، مما أسهم إسهامًا لا يُستغنى عنه في انتصار الحرب العالمية ضد الفاشية. ولا تكمن أهميتها في إحياء ذكراها فحسب، بل تكمن أيضًا في الإجابة على تساؤلات حول النظام المعاصر. كان هذا التحول التاريخي، الذي انتصرت فيه العدالة على القوة، هو ما أدى إلى نشوء النظام الدولي لما بعد الحرب، وفي قلبه الأمم المتحدة، مُرسخًا مبادئ مثل “المساواة في السيادة، وحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، والتسوية السلمية للنزاعات” كأساس للقانون الدولي.
لم يكن انتصار حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني نصرًا عسكريًا فحسب، بل أرسى أيضًا القيم الأساسية للبناء المؤسسي للنظام العالمي لما بعد الحرب. قد نصّ إعلان القاهرة، وهو وثيقة أساسية في التعاون الدولي ضد الفاشية، صراحةً على استعادة الصين الأراضي المفقودة، وخاصةً تايوان وجزر بنغهو. لم يُمثّل هذا الإعلان استعادة الصين لسيادتها فحسب، بل برهن أيضًا على دورها المحوري في الحرب العالمية ضد الفاشية. وقد أسّس نظام الأمم المتحدة، الذي تأسس بعد الحرب، استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة، مبادئ مثل “المساواة في السيادة”، و”التسوية السلمية للنزاعات”، و”معارضة استخدام القوة”. كان هذا التصميم المؤسسي استجابةً مؤسسيةً دقيقةً لتلك الكارثة العالمية. وبصفتها دولةً منتصرةً، وعضوًا مؤسسًا للأمم المتحدة، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، لم تكن الصين منتصرةً فحسب، بل كانت أيضًا صانعةً للنظام الجديد.
إن الموجة التحررية التي قادتها الأمم المتحدة بعد الحرب، قد مكَّنت عددًا كبيرًا من شعوب آسيا وإفريقيا من نيل الاستقلال، وفق مبادئ المساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام السلامة الإقليمية، لتصبح هذه المبادئ خطَّ الدفاع الأخير عن بقاء الدول الإقليمية وتنميتها. وحتى يومنا هذا، ما زالت الصراعات المعقَّدة تذكّرنا بأن إعادة القضايا الساخنة إلى مسار الأمم المتحدة هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين العدالة والسلام المستدام.
إلّا أنّ الأحادية وسياسات التكتلات التي ظلّت تتأرجح صعودًا وهبوطًا بعد الحرب الباردة؛ وشنّ الحروب بعيدًا عن الأمم المتحدة، وفرض العقوبات الأحادية من دون تفويض من مجلس الأمن، أضعفت من هيبة القانون الدولي، وقطّعوا أوصال فاعلية الحوكمة العالمية. أمّا القضايا العابرة للحدود مثل تغيّر المناخ، والصحة العامة، وتمويل التنمية، وأمن الغذاء، فلا يمكن معالجتها عبر “دوائر التحالفات الصغيرة”.
وفي مواجهة هذا الواقع، يطرح فكر شي جين بينغ بشأن الدبلوماسية بوضوح مفهوم “التعددية الحقيقية”. ولا يقتصر هذا النهج “الحقيقي” على إعادة صياغة المفاهيم القديمة، بل يُشدد على أن الالتزام بميثاق الأمم المتحدة كمبدأ توجيهي أساسي للآليات الدولية العالمية، لا التكتلية؛ ودعم المساواة بين جميع الدول ومعارضة التطبيق الانتقائي للقواعد واستخدامها كأداة؛ والدعوة إلى حل النزاعات بالحوار والوسائل السياسية، واستخدام العقوبات والقوة بحذر؛ والتأكيد على تعزيز التنمية الشاملة، وسد الفجوة العالمية بين الشمال والجنوب من خلال التعاون المتبادل المنفعة، وتعزيز توفير المنافع العامة.
إن المبادرات التي طرحتها الصين في السنوات الأخيرة من مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية تمثل جهودًا لترجمة هذه المفاهيم إلى إجراءات ملموسة وشبكات مؤسسية.
وبالنسبة للشرق الأوسط، ليس هذا المفهوم مجرد شعارًا نظريًا، بل خيارًا واقعيًا: إذ تتطلب مفاوضات تهدئة الصراع ووقف إطلاق النار الالتزام الصارم بإطار عمل مجلس الأمن والقانون الإنساني الدولي؛ وتتطلب إعادة الإعمار والتنمية تمويلًا متعدد الأطراف، وبناءً للقدرات، وتعاونًا صناعيًا، تحت مظلّة الأمم المتحدة؛ ويتطلب بناء النظام الإقليمي تجنب الانقسامات القائمة على المعسكرات، والسماح لمزيد من القوى المتوسطة ودول الجنوب العالمي بالمشاركة في وضع الأجندات وصياغة القواعد. وقد أثبتت الوقائع أن السلام لا يتحقق إلا حين تجتمع الشرعية مع الفعالية، وإلا فلن يتجاوز كونه التزامًا على الورق.
إن إحياء الصين لذكرى الانتصار في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني هو بمثابة إعادة معايرة للقيم مرارًا وتكرارًا. فهي تُشير إلى أنه لا يمكن التغاضي عن القوة، وأن العدالة يجب أن تستمر في صورة مؤسسية، وأن السلام لا يمكن قبوله بالقوة، بل يجب ضمانه بآليات. علاوة على ذلك، يجب التمسك بالجوانب العادلة للنظام في شرق آسيا منذ فترة ما بعد الحرب، تمامًا كما ينبغي التمسك بـ”حل الدولتين” في نظام غرب آسيا المعاصر، لأن كليهما يمثل إرادة شعوب العالم وشعوب آسيا، ويجسد قرارات الأمم المتحدة، ويرمز إلى السلام والتنمية.
“التعددية الحقيقية” تعني استعادة مركزية الأمم المتحدة، والتصدي لهيمنة منطق “نادي القواعد”، وتمكين الدول ذات الحضارات المختلفة ومسارات التنمية المختلفة من تحقيق التعاون والفوز المشترك في إطار من المساواة الحقيقية. في عالم اليوم الذي يتسم بالتعددية القطبية العالمية وانعدام الثقة على نطاق واسع، لا يمكن تأجيل التجديد المؤسسي. إن الحفاظ على الأمم المتحدة، باعتبارها حجر الزاوية للتعدديّة، هو أعمق أشكال إحياء ذكرى انتصار الشعب الصيني في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني، وأقوى وعد بشأن التزامه بمصير البشرية في المستقبل.
يُعلّمنا التاريخ: “إن بسطُ القوّة فوق منطق الحق لا يدوم طويلًا؛ أما تقييد القوّة بالقواعد فيؤدي إلى نجاحات بعيدة المدى”. فعند مفترق طرق جديد، يمتلك المجتمع الدولي، ولا سيما دول الشرق الأوسط، مصلحة مشتركة في تعميق التعاون تحت مظلّة الأمم المتحدة. فليتحوّل العدل التاريخي إلى نظامٍ واقعي، ولتكن قوةُ المؤسسات هي الحارس لحدود السلام، فهذا هو خيرُ إحياءٍ لذكرى الانتصار على الفاشية، والتزام راسخ بحفظ السلام العالمي في المستقبل.