من أخطر الآفات التي ابتُلي بها عصرنا أن تُمارَس القسوة باسم الدين، وأن يُبرَّر غياب الرحمة بشعارات الغيرة على الشريعة، حتى صار الدين عند بعض الناس وسيلة للتشدد والتنفير، لا للهداية والإصلاح.
لقد جاء الإسلام رحمةً للعالمين، لا قسوةً على الخلق، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾.
وكان النبي ﷺ أرحم الناس بالناس، حتى قال عنه ربّه: ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾.
فكيف يُنسب إليه دينٌ يخلو من الرحمة، أو يُقدَّم للناس في صورة قسوة وشدة؟
إن القسوة باسم الدين تنشأ غالبًا من الجهل بحقيقته، أو من سوء فهم النصوص، أو من تغليب الأحكام على المقاصد؛ فيُؤخذ الحكم مجردًا من حكمته، ويُطبَّق النص بلا فقهٍ للواقع ولا نظرٍ إلى أحوال الناس. وهنا يتحول الدين من علاجٍ للقلوب إلى سيفٍ مسلطٍ على الرقاب.
ومن صور هذه القسوة: التشهير بالمخطئين بدل نصحهم، والتعنيف بدل الرفق، والحكم على النيات بدل الظواهر، والتسرع في التبديع والتكفير، وكأن الرحمة ضعف، واللين تهاون مع
أن النبي ﷺ قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه).
وقد كان السلف الصالح أشد الناس تمسكًا بالدين، وأرحمهم بالخلق؛ جمعوا بين الحق والرحمة، وبين الحزم والعدل، وعلموا أن القلوب تُفتح باللطف قبل الشدة، وأن الغاية هداية الناس لا كسرهم.
ومن أبشع الجرائم التي عرفها التاريخ، وأخطرها على صورة الدين وحقيقته، قتل البشر باسم الدين؛ حين يتحول الإيمان من رسالة حياة إلى أداة موت، ومن وسيلة هداية إلى ذريعة سفك دماء.
إن الإسلام جاء لحفظ النفس الإنسانية لا لإزهاقها، وجعل حق الحياة من أعظم الحقوق، فقال الله تعالى:
﴿مَن قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾. فأي جريمة أعظم من أن يُستباح الدم باسم من حرّم الدم؟
إن قتل البشر باسم الدين لا ينشأ من الدين نفسه، بل من تحريفه وسوء فهمه، ومن عقول ضيقة قرأت النصوص بغير علم، وانتزعت الآيات من سياقها، وأسقطت الأحكام دون فقهٍ أو عدلٍ أو رحمة. وهكذا صار الدين غطاءً للأهواء، لا ميزانًا للحق.
ومن أخطر أسباب هذه الظاهرة: الجهل المركب؛ حيث يجتمع قلة العلم مع الجرأة على الحكم، بل والتكفير بغير حق، وجعل المخالف عدوًا يجب إزالته لا إنسانًا يُدعى ويُناقش وسبب رئيسي أيضا وهو تقديس الجماعة أو الفكرة حتى تُقدَّم على حرمة الإنسان والأصعب تغييب مقاصد الدين، وعلى رأسها حفظ النفس والعدل والرحمة.
وقد حذّر النبي ﷺ من هذا المسلك مبكرًا فقال:
«لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم»
بل جعل أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، لعظم شأنها وخطرها.
والمفارقة المؤلمة أن من يقتل باسم الدين يسيء إلى الدين أكثر مما يسيء إلى أعدائه؛ إذ ينفّر الناس منه، ويشوّه رسالته، ويستبدل الرحمة التي بُعث بها النبي ﷺ بالخوف والدمار
فالقتل لا يصنع إيمانًا، ولا يقيم شريعة، ولا ينشر حقًا, والدين الذي يُفهم على أنه مبرر للقتل هو دين أُسيء فهمه أو استُخدم لتحقيق مصالح سياسية أو نفسية أو فكرية منحرفة.
وقد عبّر الشيخ حسن الباقوري رحمه الله عن هذه الحقيقة بقوله:
عجبتُ لهذا الزمان؛ كلما ازداد المرء تشددًا في الدين ظنّ الناس أنه على حق، مع أن الله أرسل رسوله ﷺ رحمةً، فقال فيه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾، وأنزل معه كتابًا قال فيه: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾
إن الدين بريء من كل دمٍ سُفك ظلمًا، وبريء من كل يدٍ قتلت باسم الله؛ فالله لا يُتقرَّب إليه بقتل عباده، بل يُتقرَّب إليه بحفظ حياتهم، وإقامة العدل بينهم، ونشر الرحمة فيهم
وإن أعظم ما نحتاجه اليوم هو إعادة إحياء خُلُق الرحمة في فهمنا وتطبيقنا للدين، وأن نعلم أن من خالف هدي الرحمة فقد خالف جوهر هذا الدين، مهما رفع من شعارات أو تشدد في المظاهر.
فالدين بلا رحمة قسوة، والقسوة ليست من الإسلام في شيء.

