9 يناير، 2026
أخبار مصر مقالات

المهندس صبري الشرقاوي يكتب: آفة من آفات هذا العصر: النفاق الديني

من أخطر الآفات التي ابتُليت بها مجتمعاتنا في هذا العصر ظاهرة النفاق الديني؛ ذلك المرض الخفي الذي يُفرغ الدين من معناه، ويحوّله من رسالة هداية ورحمة إلى قناع يُرتدى لتحقيق المصالح أو ممارسة السيطرة على الآخرين. وهو من أخطر ما يُصيب القلوب والمجتمعات، لأنه يُشوّه جوهر الدين، ويُحوّل القيم إلى شعارات، والأخلاق إلى مظاهر خاوية.

والنفاق الديني هو أن يُظهر الإنسان التديّن والالتزام ظاهرًا، بينما يُخالف ذلك باطنًا وسلوكًا؛ فيتكلم بلسان الواعظ، ويفعل فعل الظالم، ويُكثر من الشعارات، ويُقلّ من القيم. وخطورة هذا البلاء أنه يسيء إلى صورة الدين قبل أن يُسيء إلى صاحبه، ويزرع الشك في نفوس الناس تجاه الخطاب الديني وأهله، بل ويُبرّر الظلم والقسوة باسم الشريعة، فتتحول الطاعة إلى رياء، والعبادة إلى وسيلة للمنفعة.

ومن صور النفاق الديني: التشدد في المظهر مع التساهل في الأمانة والعدل، وكثرة الحديث عن الحلال والحرام مع أكل حقوق الناس، وإنكار المنكر على الضعفاء، والتغاضي عنه عند الأقوياء، ورفع راية الدين لتحقيق مصالح شخصية أو سياسية.

والنفاق الديني لا يعني مجرد التقصير أو الوقوع في الذنب، فكل بني آدم خطّاء، وإنما يعني ازدواجية فاضحة بين القول والفعل، وبين المظهر والجوهر؛ حيث يُظهر الإنسان التديّن في كلامه وملبسه، بينما تُناقض أفعاله أبسط قيم الدين من صدق، وعدل وأمانة ورحمة.

لقد جاء الدين ليُهذّب السلوك ويُقيم ميزان العدل، لا ليكون وسيلة للتفاخر أو أداة للإدانة والوصاية. لكننا نرى اليوم من يُشدّد في الجزئيات، ويغفل عن الكليات، ومن يرفع راية الحلال والحرام بينما يظلم الناس، أو يُبرّر الفساد إذا مسّ أصحاب النفوذ.

ومن أخطر ما ابتُليت به الأمة في هذا الزمان نفاق بعض المشايخ باسم الدين؛ أولئك الذين تصدّروا المنابر والشاشات، وارتدوا عباءة الوعظ، بينما خالفت أفعالهم وأقوالهم جوهر ما يدعون إليه، فكانت النتيجة تشويهًا للدين، وإرباكًا للناس، وإضعافًا للثقة في الخطاب الديني كله.

ونفاق المشايخ لا يُقصد به الخطأ البشري أو الاجتهاد الذي يصيب ويخطئ، وإنما التوظيف المتعمد للدين وفق الهوى والمصلحة؛ فيُحرَّم ما لا يعجبهم، ويُحلَّل ما يخدمهم، ويُشدَّد على عامة الناس، بينما تُفصَّل الفتاوى لأصحاب النفوذ والسلطة.

نرى شيخًا يُكثر الحديث عن التقوى، لكنه يسكت عن الظلم إذا صدر من قوي، ويثور إذا وقع من ضعيف. وآخر يُهاجم الفساد في الخطب، ثم يُبرّره في الواقع إذا اقترب من دائرته أو هدد مصالحه. وثالث يجعل من الدين عصًا غليظة لتخويف الناس، لا نورًا يهديهم، ولا رحمةً تحتويهم.

ومن أخطر صور النفاق الديني استخدام النصوص الدينية انتقائيًا؛ تُستدعى حين تخدم الهوى، وتُغيَّب حين تُطالب بالعدل أو تُدين الظلم. فيُشتدّ على الفقير، ويُلين القول للغني، ويُحاسَب الضعيف، ويُبرَّر للقوي، وكأن الدين خُلق لفئة دون أخرى.

وليس المقصود هنا الطعن في العلماء أو التشكيك في أهل العلم الصادقين، فهؤلاء هم ورثة الأنبياء حقًا، وإنما الحديث عن فئة تلبس زيّ العلماء، وتعتلي المنابر، لكنها تُكيّف الدين وفق المصلحة، وتُجزّئ النصوص، وتكيل بمكيالين.

هذا النفاق لا يُدمّر صورة الشيخ وحده، بل يضرب ثقة الناس في الخطاب الديني كله، فينشأ جيل حائر، يخلط بين الدين وتصرفات من يدّعون تمثيله، ويظن أن القسوة والتناقض وتبرير الظلم من جوهر الشريعة، بينما الدين بريء من ذلك كله.

إن الشيخ الصادق هو من يخشى الله قبل أن يخشى الناس، ويجعل ميزانه واحدًا مع القوي والضعيف، ويقول كلمة الحق ولو خسر المنصب أو المنبر. أما من جعل علمه مطية، ودينه تجارة، ومنبره أداة لتزيين الواقع الفاسد، فقد خان الأمانة التي حُمِّلها

وفى النهاية إذا وجدت نية صادقة التخلص من النفاق الدين لابد من تحقيق مايلى:

* أن يكون العمل لله لا للناس، وأن تُحاسَب النفس قبل محاسبة الآخرين.

* أن يُفهَم الدين مقاصدَ وقيمًا، لا شكلياتٍ وشعارات؛ فالدين ليس ما نرتديه أو نردده، بل ما نعيشه ونلتزمه.

* الدين لا يحتاج إلى أبواق، بل إلى قدوات، ولا يُنصر بالصمت عن الظلم، بل بالعدل والصدق والشجاعة.

* أخطر ما يُبتلى به الدين أن يتصدره من ينطق باسمه ولا يعمل بروحه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *