صرخةٌ أطلقها سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو يستعد للموت، تكشف بجلاء معنى الجبن، ولماذا يخشى الجبناء مواجهة الموت. فقد قال رضي الله عنه:
“ما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح، وها أنا أموت على فراشي كما تموت البغال، فلا نامت أعين الجبناء.”
ثم كررها قائلاً: “ألا نامت أعين الجبناء.”
ومن هنا أصبح هذا المعنى مِحكًّا يميّز بين من يضحي بنفسه في سبيل دينه أو وطنه أو عرضه، أو حتى من يقف بكلمة حق في وجه الظلم والطغيان، وبين من يختار طريق الجبن والخضوع.
فالجبن ليس مجرد خوف من الموت، بل هو حالة نفسية تدفع صاحبها إلى الهروب من المواقف الصعبة، والتخلي عن المبادئ عند أول اختبار. فالجبان قد يعيش عمرًا طويلًا، لكنه يعيش بلا كرامة ولا موقف، يخشى قول الحق، ويخاف مواجهة الباطل، ويبحث دائمًا عن السلامة ولو كان ثمنها التخلي عن القيم.
وقد كان تاريخ الأمة الإسلامية زاخرًا بنماذج الشجاعة والثبات. فكم من رجالٍ وقفوا في وجه الظلم ولم يخافوا إلا الله، وكم من أناسٍ قالوا كلمة الحق رغم علمهم بما قد يترتب عليها من أذى أو تضييق. وهؤلاء هم الذين حفظوا للأمة كرامتها، وكتبوا بدمائهم صفحات مشرقة في تاريخها.
لكن من المؤسف أن نرى في زماننا انتشارًا لظاهرة الجبن بأشكال متعددة. فالبعض يخشى قول الحق خشية خسارة منصب أو مصلحة، وآخرون يفضلون الصمت عن الظلم حتى لا يتعرضوا للأذى، بل إن بعضهم قد يبرر الظلم أو يزينه للناس حفاظًا على مكانته أو مكاسبه.
وهنا يتحول الإنسان من صاحب مبدأ إلى تابعٍ خائف، يتلون بحسب الظروف والمصالح، ويكذب إن لزم الأمر، ويتخلى عن الحق إن رأى أن التمسك به قد يجلب له المتاعب. وهكذا يصبح المجتمع مليئًا بأناسٍ لا يملكون شجاعة الدفاع عن الحق أو نصرة المظلوم.
إن الجبن لا يضر صاحبه فقط، بل يضر المجتمع كله؛ لأن انتشار الجبناء يعني غياب من يقف في وجه الظلم، ويعني أن الباطل سيجد طريقه مفتوحًا دون مقاومة. فحين يسكت الشجعان، أو يتحولون إلى صامتين خوفًا أو طمعًا، يصبح الظلم هو الصوت الأعلى.
ولذلك فإن الشجاعة ليست تهورًا ولا اندفاعًا أعمى، بل هي قوة في النفس تدفع صاحبها إلى الثبات على الحق، والصدق في الموقف، وعدم الخضوع للباطل مهما كانت الضغوط. والشجاع الحقيقي هو من يملك الجرأة على قول الحق، والوقوف مع المظلوم، والثبات على المبدأ.
إن الأمة لا تنهض بالجبناء، ولا تبنى حضارتها بالخائفين، وإنما تقوم على أكتاف الرجال والنساء الذين يملكون شجاعة الكلمة، وثبات الموقف، وصدق الانتماء لقيمهم ودينهم.
فليست المشكلة في أن يخاف الإنسان، فالخوف شعور طبيعي، ولكن المشكلة أن يستسلم لهذا الخوف حتى يتحول إلى جبن دائم يقتل فيه روح الكرامة والشجاعة.
ولهذا فإن واجب كل فرد أن يربي نفسه وأبناءه على الشجاعة في الحق، وعلى الصدق في المواقف، وأن يدرك أن الحياة بلا كرامة ولا مبدأ ليست حياة حقيقية، بل مجرد بقاء جسد بلا روح.
فإن مات الشجعان مرةً واحدة، فإن الجبناء يموتون كل يوم خوفًا وذلًا. ولذلك صدق سيف الله المسلول حين قال كلمته الخالدة: “ألا نامت أعين الجبناء.”

