26 مارس، 2026
مقالات

المهندس صبري الشرقاوي يكتب: آفة من آفات الزمان.. الحقد على سيدنا رسول الله وآل بيته

منذ اللحظات الأولى لظهور نور الإسلام، لم يكن الصراع مجرد اختلافٍ في الرأي أو تنافسٍ في الدنيا، بل كان في بعض صوره حقدًا دفينًا على مقام النبوة ذاته. فقد رُوي أن أبو سفيان بن حرب قال يومًا:

“سقينا وسقيتم، وأكرمنا الحجيج وأكرمتم، فمنكم نبيّ فمنّ منا؟”،

وهي كلمة تكشف ما في الصدور من غيرةٍ ممزوجةٍ بحسدٍ لمقامٍ اختصّ الله به من يشاء.

وفي يوم الفتح، حين رأى عظمة الدولة الإسلامية، قال لسيدنا العباس بن عبد المطلب: “لقد كبر ملك ابن أخيك”،

فردّ عليه سيدنا العباس بكلمةٍ خالدة: “بل هي النبوة يا أبا سفيان”.

لكنّ الفرق بين من يرى النبوة نورًا إلهيًا، ومن يراها مُلكًا دنيويًا، هو الفرق بين قلبٍ امتلأ إيمانًا وقلبٍ ما زالت فيه رواسب الجاهلية.

ثم جاءت الفتنة الكبرى، حين وقف معاوية بن أبي سفيان في مواجهة سيدنا علي بن أبي طالب، ينازعه الخلافة، لتبدأ صفحةٌ مؤلمة من تاريخ الأمة. ولم تقف المآسي عند هذا الحد، بل امتدت إلى ما هو أشد، من تسميم سيدنا الحسن بن علي، وقتل سيدنا الحسين بن علي في مذبحة آل البيت فى كربلاء، وهما من قال فيهما سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ:

“الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”،

وقال: “الحسين مني وأنا من الحسين”،

وأعلن محبته لهما بقوله: “اللهم إني أحبهما فأحبّ من يحبهما”.

كما سمع الصحابة قول النبي ﷺ: “من كنت مولاه فعلي مولاه”، ومع ذلك وقع ما وقع، وكأن الحقد يعمي الأبصار قبل البصائر.

وقد كان كبار الصحابة يدركون عِظَم حق آل البيت، فهذا سيدنا أبو بكر الصديق يقول: “ارقبوا محمدًا في أهل بيته”، ويقول أيضًا: “والله لقرابة رسول الله أحب إليّ من قرابتي”. وهذا سيدنا عمر بن الخطاب يقول للعباس: “والله لإسلامك يوم أسلمت أحب إليّ من إسلام الخطاب”، لما في ذلك من صلةٍ برسول الله ﷺ.

لكن مع مرور الزمن، لم ينطفئ هذا الحقد عند بعض النفوس، بل تجدد في صورٍ أخرى، حتى جاء ابن تيمية بعد قرون، فاستُغلت أقواله عند بعض الناس لتغذية النزاع، وخرج من يشنّ حملات التشويه ضد كل من يُظهر حبّه لرسول الله ﷺ وآل بيته، فوُصِف المحبّ بأنه شيعي، أو صوفي، بل وصل الأمر إلى اتهامه بالشرك والعياذ بالله.

بلغ الأمر ببعضهم أن يمنع الناس من قول “سيدنا” عند ذكر النبي ﷺ، مع أنهم لا يجدون حرجًا في إطلاق ألقاب التعظيم على الملوك والأمراء. فكيف يُجَرَّد من لقّبه الله في كتابه: “يا أيها النبي”، “يا أيها الرسول”؟ وكيف يُقسم الله بعمره في قوله: “لعمرك”، ثم يأتي من يمنع تعظيمه لفظًا ومعنى؟

ثم يُنكرون التوسل به ﷺ، مع ثبوت قصة الأعمى الذي جاء إلى النبي ﷺ، فعلّمه أن يقول:

“اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد…”، فردّ الله عليه بصره.

بل ثبت أن عمر بن الخطاب توسل بالعباس عم النبي في الاستسقاء، فكيف يُحرّم ما ثبت فعله في زمن الصحابة؟

ومن العجيب أن خطيب الحرم اثناء جائحة كرونا نسمعه في خطبة الجمعة يتوسل بالبهائم ثلاث مرات ويقول اللهم ارحمنا ببهائمنا فليتوسلوا ببهائمهم ويتركونا نتوسل بمن نريد. أعمى الله بصرهم وبصيرتهم.

إنها آفة الحقد حين تتسلل إلى القلوب، تُفسد الفهم، وتحرّف المعاني، وتزرع الفرقة بين المسلمين، حتى يستبيح بعضهم دماء بعض باسم الدين.

فالواجب على الأمة أن تعود إلى صفاء المحبة، وأن تُعظّم نبيها ﷺ وآل بيته وصحابته الكرام، دون غلوّ ولا جفاء، وأن تدرك أن حبهم دين، وبغضهم خطر عظيم.

نسأل الله أن ينجينا من الحقد وأهله، وأن يملأ قلوبنا حبًا لرسول الله ﷺ وآل بيته، وأن يجمع الأمة على الحق والهدى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *