إِنَّ الحِقْدَ آفَةٌ نَفْسِيَّةٌ مُدَمِّرَةٌ، تَنْشَأُ مِنَ الضَّغِينَةِ، وَتَرَاكُمِ العَدَاوَةِ، وَالرَّغْبَةِ العَارِمَةِ فِي الانْتِقَامِ. وَهِيَ نَارٌ تَأْكُلُ نَفْسَ الحَاقِدِ مِنْ دَاخِلِهِ، فَتُفْسِدُ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ، وَتَذْهَبُ عَنْهُ طُمَأْنِينَتَهُ، وَتَحْرِمُهُ لَذَّةَ العَيْشِ وَسَكِينَةَ القَلْبِ. إِنَّهَا مِنَ الأَمْرَاضِ المُهْلِكَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعًا، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى لِتَطْهِيرِ قَلْبِهِ بِالمَحَبَّةِ، وَالخَيْرِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَمُجَاهَدَةِ دَوَاعِي الكُرْهِ وَالبَغْضَاءِ.
إِنَّ الحِقْدَ حِمْلٌ ثَقِيلٌ يَنْهَكُ مَنْ يَحْمِلُهُ، يَحْمِلُهُ الجَاهِلُ فِي صَدْرِهِ فَيُشْقِي بِهِ نَفْسَهُ، وَيُفْسِدُ بِهِ فِكْرَهُ، وَيُشْغِلُ بِهِ بَالَهُ، وَيُقْلِقُ مَضْجَعَهُ، وَيَزِيدُهُ هَمًّا وَغَمًّا. كَأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ شَوْكًا مُلْتَهِبًا مَحْشُوًّا بِصُخُورٍ حَارَّةٍ نَافِثَةٍ لِلسُّمُومِ، تَحْرِقُ صَدْرَهُ وَتُعَذِّبُ قَلْبَهُ، وَهُوَ لَا يَزَالُ مُمْسِكًا بِهَذَا الحِمْلِ الخَبِيثِ، لَا يُسْقِطُهُ عَنْ كَاهِلِهِ، حَتَّى يُشْفِيَ غَلِيلَهُ بِالانْتِقَامِ مِمَّنْ يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ الضَّغِينَةَ تِجَاهَهُ.
وَقَدْ بَدَأَ الحِقْدُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ تَمَرَّدَ إِبْلِيسُ وَتَكَبَّرَ، فَأَبَى أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِقْدًا وَاسْتِعْلَاءً، لِكَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَآدَمُ مِنْ طِينٍ. وَكَانَ هَذَا الحِقْدُ سَبَبًا فِي لَعْنَةِ اللَّهِ لَهُ وَطَرْدِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: 34-35]. وَلَا يَنْفَدُ حِقْدُ الشَّيْطَانِ، بَلِ اسْتَمَرَّ مُنْذُ زَمَنِ آدَمَ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ، سَاعِيًا فِي إِفْسَادِهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ.
وَنَجِدُ أَيْضًا أَنَّ أَوَّلَ جَرِيمَةٍ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ كَانَتْ مَدْفُوعَةً بِالحِقْدِ، حِينَ قَتَلَ قَابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ حَسَدًا وَغَيْظًا، لِتَكُونَ أَوَّلَ جَرِيمَةِ سَفْكِ دَمٍ بَيْنَ الإِخْوَةِ. وَذَلِكَ يُوَضِّحُ أَنَّ الحِقْدَ يُمْكِنُ أَنْ يُحَرِّكَ الإِنْسَانَ لِارْتِكَابِ أَبْشَعِ الأَفْعَالِ، وَلَا أَمَانَ لِقُلُوبٍ امْتَلَأَتْ بِالحِقْدِ، وَلَا يُؤْمَنُ مَكْرُهَا.
إِنَّ الحِقْدَ شُعُورٌ مُخِيفٌ، يُغَذِّي الإِنْسَانَ فَيَتَحَكَّمُ فِيهِ، وَهُوَ كَالنَّارِ، كُلَّمَا احْتَرَقَتِ ازْدَادَ لَهِيبُهَا، وَلَا تَهْدَأُ حَتَّى تُفْنِيَ نَفْسَهَا، أَوْ يُطْفِئَهَا شَيْءٌ مِنْ خَارِجِهَا.
مَظَاهِرُ الحِقْدِ وَنَتَائِجُهُ
مِنْ أَبْرَزِ مَظَاهِرِ الحِقْدِ: الكُرْهُ الشَّدِيدُ، وَالبَغْضَاءُ، وَالعَدَاوَةُ، وَتَمَنِّي الشَّرِّ لِلآخَرِينَ، وَالسَّعْيُ لِإِيذَائِهِمْ. وَيَتَغَذَّى الحَاقِدُ عَلَى الأَوْهَامِ وَالضَّغَائِنِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى انْهِيَارِهِ النَّفْسِيِّ وَتَآكُلِهِ الدَّاخِلِيِّ، نَسْأَلُ اللَّهُ العَافِيَةَ.
وَيَفْقِدُ الحَاقِدُ طَعْمَ الحَيَاةِ، وَيَعِيشُ فِي تَعَسَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ. وَقَدْ يَدْفَعُهُ حِقْدُهُ إِلَى نَشْرِ الشَّائِعَاتِ، وَتَشْوِيهِ السُّمْعَةِ، وَالسُّخْرِيَةِ مِنَ الآخَرِينَ، وَالطَّعْنِ فِيهِمْ دُونَ وَجْهِ حَقٍّ.
كَيْفِيَّةُ عِلَاجِ الحِقْدِ
عِلَاجُ الحِقْدِ يَبْدَأُ بِالاجْتِهَادِ فِي إِظْهَارِ المَحَبَّةِ، وَنَزْعِ البَغْضَاءِ مِنَ النَّفْسِ، وَالتَّوَاضُعِ لِعِبَادِ اللَّهِ، فَهَذِهِ الخِصَالُ تُورِثُ الأُلْفَةَ، وَتُزِيلُ الحِقْدَ مِنَ القَلْبِ.
وَيَنْبَغِي طَلَبُ العَوْنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّخَلُّصِ مِنْ هَذِهِ الأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَالعَمَلُ عَلَى تَقْوِيَةِ رَوَابِطِ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، فَإِنَّ الحِقْدَ وَالغِلَّ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبٍ مُؤْمِنٍ.
كَمَا أَنَّ حُبَّ الخَيْرِ لِلنَّاسِ، وَالحِرْصَ عَلَى سَعَادَتِهِمْ، سَبَبٌ فِي مَحَبَّتِهِمْ، وَمَنْ أَحَبَّهُ النَّاسُ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ هَذَا الدَّاءِ.
وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ صِنْفًا مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي دُعَائِهِمْ، إِذْ يَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ مِنَ الغِلِّ وَالحِقْدِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].
وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: “وَأَذْهَبْنَا مِنْ صُدُورِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَنَّةِ مَا فِيهَا مِنْ حِقْدٍ وَعَدَاوَةٍ، كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَجَعَلَهُمْ فِي الجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوا، عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، لَا يَحْسُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.”
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الحَسَدُ، وَالبَغْضَاءُ، وَالبَغْضَاءُ هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا.”
وَهَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ يُبَيِّنُ أَهْمِيَّةَ الاجْتِهَادِ فِي تَحْقِيقِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ، الَّتِي تَكُونُ بِنَشْرِ المَحَبَّةِ، وَمُدَافَعَةِ الحِقْدِ وَالبَغْضَاءِ، وَالسَّعْيِ إِلَى تَطْهِيرِ النَّفْسِ مِنْ كُلِّ ضَغِينَةٍ.
حَفِظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ الآفَةِ القَاتِلَةِ، وَكَفَانَا وَإِيَّاكُمْ شَرَّ الحَاقِدِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

