رغم كل الأحداث التي تحدث في المناطق المحيطة بالدول الغنية بالنفط والتهديدات الملاحيه بين الشرق والغرب وفي أهم مضيقين بحريين يتحكما في حركة نصف تداولات النفط والغاز في العالم، إلا أن أسعار النفط لا تزال صامدة ولم تتحرك علي عكس التوقعات، متأثرة بتدهور حركة التجارة العالمية، وفترة الترقب للقرارات الجمركية التي فرضتها أمريكا علي حركة التجارة وردود أفعال الدول تجاهها.
لا يزال خام غرب تكساس يتأرجح بين 66-68 دولار للبرميل، وخام برنت الخفيف لم يتجاوز ال 77.0 دولار للبرميل وهذا سعر جيد جداً للدول المصدرة.
السعر العادل للنفط هو السعر الذي يحقق صافي ربح للدول المصدرة أو الذي يحقق نسبة فائدة علي المبلغ المستخدم في رحلة البحث والتنقيب والإنتاج بما تحويه من مصروفات علي المنشآت النفطية والأصول الثابتة CAPEX ومصروفات الصيانة والتشغيل المتحركة OPEX وتكون حسابات التكاليف قيمه صافي الربح بسعر اليوم NPV.
بدون ما أدخلكم في اقتصاديات تقييم وحسابات المكسب والخسارة في المشاريع النفطية والغازية الضخمة، لأنها معقدة ومتشابكة، دعنا نستخدم أرقام حقيقية من مشاريع نفطية وغازية كبرى.
لنتصور نموذج تكلفة إنتاج برميل نفطي واحد من أعمق نقطة في باطن المكمن أو الخزان النفطي في صخور أعماق الأرض، وحتي نقطة التوزيع في بلد الدولة المستفيدة من المنتج، وبالمرة نعرج علي المستجدات التي من الممكن أن تلعب دور في زيادة السعر العالمي.
هناك نوعان من النفط، الخفيف والثقيل والغاز الطبيعي يحدد سعر البيع له بالمليون وحدة حرارية انجليزية أو ما يعادلها بالطن.
يفرق التسعير في الاتفاقية حسب نقطة استلام المنتج هل هي موقع الإنتاج أو ميناء التصدير أو ميناء الاستيراد ولكن هناك سعر ثابت متداول في البورصة يومياً وهو محدد نقطة التسليم.
هناك برميل نفط يتكلف أقل من ثلاثة دولارات، وهناك برميل نفط يتكلف 38 دولار، وهذا أعلي سعر تكلفة إنتاج برميل نفطي تسليم نقطة الانتاج، أي لم تضاف إليه رسوم الانتقالات logistics والتأمين والشحن وخلافة وهذه الأخيرة تعتمد علي الكميات وخطورة الرحلة وطولها من قربها.
ببساطة في تاريخي العملي لم يمر علي برميل نفط تكلف أكثر من 42 دولار تسليم ميناء المستورد أيا كان موقعة بالنسبه لبلد المنشأ.
لو أضفنا إلي هذا السعر نسبة ال 30% نحصل علي السعر العادل للبرميل لكلا الطرفين المنتج والمستورد، بمعني سعر البرميل العادل يكون حول ال 55 دولار وأي دولار زيادة بيكون مبرراته العرض والطلب واستغلال المنتج للمستورد حسب احتياجة للخام.
جشع الدول المنتجة واستغلالها لحاجة الدول المستهلكة أمر مبرر وله أسبابه، ومنها المخاطرة بنضوب المنتج قبل استنفاذ وقت الاتفاقيات المتعاقد عليه مع الممولين وحملة الأسهم، والأمر الثاني الأتاوات الغير معلنة للدول الكبري التي تتحكم وتساعد في توفير المنتج من باطن الأرض وتوفيره للمستهلك، وأيضاً قيمة المنتج عند المستورد ومقدار ما يتربح منه بعد تجزئته واشتقاق المنتجات الأغلي منه، وتداولها بأسعار مبالغ فيها.
كلها أسباب تبرر للطرف المنتج الإستفادة بأقصى قدر من ثرواتهم وهذا حقهم.
هناك أسباب أخري تتدخل في ارتفاع سعر التكلفه لإنتاج البرميل، مثلاً هناك دول كانت كلفة البرميل من 20-60 سنت للبرميل في ثمانينات القرن الماضي تسليم نقطة الإنتاج اليوم تعاني ازدياد التكلفة إلى 6-8 دولارات بسبب عوامل فنية ترجع لانخفاض حجم المنتج والاحتياج لعمليات مساعدة إنتاج مكلفة، ومعالجات للخزانات والسائل واجراءات صيانة انتقائية لمساعدة السريان، وتذليل العقبات وجميعها يحتاج للآلة وللصيانة وهذه الأخيرة ارتفعت كلفتها بسبب التضخم وارتفاع أسعار المعيشة والأيدي العاملة.
هي دورة يقسمها الخالق لا نعرف لها أول من أخر، ولكن يحكمها أخلاقيات بدأت تندثر منها القناعة والأمانة والرحمة، وعدم استغلال المحتاج، مفردات كانت موجودة بالفطرة في الأجيال القديمة، واليوم انتهت أو ضعفت ويدفع ثمنها جميع من عمل علي استحداثها واستغلالها.
نعود لأسعار النفط العالمية، ونحمد الله أن هذه التقلبات والأحداث حول المناطق الغنية بالنفط لم تحدث في وقت رواج التجارة وانتظام حركة التجارة العالمية، كما كانت بداية الألفية، وإلا عانينا من أسعار نفط خرافية تتخطي ال 170 دولار للبرميل.
العالم كله يعاني التخبط واعتقد ما تفعله أمريكا اليوم ارهاصات لضبط قوتها الاقتصادية ومحاولة استعادة الاستقرار للتجارة العالمية بنظام جديد يضمن قوة عملتها ومكانتها، بعدما أيقنت أن الحلول العسكرية التي تمارسها آخر عشرين سنه عقدت الأمور وأضرت بمكانتها، وسنري عالم مستقر هادئ يحاول لملمة جراحة قبل 2030 وفي ظل أسعار نفط لا تتخطى ال 80 دولار للبرميل لأنه سعر أشكثر من عادل.