17 يناير، 2026
مقالات

تهامي كرم يكتب: الإسراء والمعراج… حين يصنع الله الوعي قبل أن يمنح النصر

ليست الإسراء والمعراج رواية تُتلى في موسم، ولا معجزة نعلّقها في الذاكرة ثم نمضي، بل بيان إلهي مكتوب بلغة السماء، يُخاطب الإنسان في لحظة سقوطه لا في لحظة انتصاره، ويعيد تشكيل وعيه قبل أن يطالبه بالفعل.
جاءت الرحلة في ذروة الألم الإنساني؛
عام حزن، فقد فيه النبي السند والرفيق، وضاقت عليه مكة، وسُدّت في وجهه طرق الأرض، حتى بدا المشهد وكأن الدعوة تُحاصَر من كل اتجاه.
وهنا لم يكن العطاء الإلهي مكافأة، بل إعدادا، ولم يكن هروبا من الواقع، بل شحذا للروح قبل العودة إلى المواجهة.
الإسراء لم يكن انتقالا جغرافيا من مكة إلى القدس، بل انتقالا حضاريا ومعنويا؛
ربط الله المسجد الحرام بالمسجد الأقصى ليعلن أن العقيدة واحدة، وأن الرسالات سلسلة لا قطيعة فيها، وأن القدس ليست تفصيلا سياسيا عابرا، بل جزء أصيل من وجدان الإيمان.
ومن يفرّط في هذه الحقيقة، يفرّط في معنى الدين قبل أن يفرّط في المكان.
أما المعراج، فكان صعودا بالإنسان وهو مثقل بالجراح، ليُقال له – ولنا من بعده – إن الطريق إلى السماء يُفتح أحيانا حين تُغلق كل الأبواب في الأرض، وإن الله لا يرفع عباده وهم في الترف، بل وهم في الصدق والابتلاء.
وفي قلب هذه الرحلة العظمى، جاءت الصلاة.
لم تُفرض في الأرض كما فُرضت سائر الفرائض، بل فُرضت فوق سبع سماوات، لتكون رسالة لا تقبل التأويل:
من أراد أن يُصلح دنياه، فليحفظ صلته بربه، ومن ضيّع الصلاة، ضيّع نفسه قبل أن يضيّع وقته.
الدروس المستفادة… كيف أتعلم من الإسراء والمعراج؟
أولا: أن الانكسار ليس نهاية الطريق.
فأقسى لحظات الدعوة كانت بوابة أعظم تكريم، وهذا درس لكل مسلم: لا تحكم على الأمور من لحظة الألم، فربما كان الألم هو مقدمة الارتقاء.
ثانيا: أن الله يُعدّ القادة قبل أن يمنحهم النصر.
فالمعراج لم يُلغِ معارك الأرض، بل سبقها، وكأن الرسالة واضحة: النصر يحتاج وعيا راسخا، لا حماسة عابرة.
ثالثا: أن الصلاة ليست عبئا بل وقفة إنقاذ.
هي معراج يومي، من حافظ عليها ارتفع، ومن استهان بها تاه، مهما امتلك من ذكاء أو قوة.
إنها التي تعيد ترتيب الداخل حين يختل الخارج.
رابعا: أن العقيدة لا تنفصل عن القضايا الكبرى.
ربط مكة بالقدس إعلان أبدي أن الإيمان موقف، وأن القضايا المقدسة لا تُدار بمنطق النسيان أو التنازل.
خامسا: أن المعجزات لا تعفينا من العمل.
فرغم الإسراء والمعراج، عاد النبي ليكمل طريق الدعوة وسط التكذيب والأذى، ليعلّمنا أن الإيمان الحقيقي لا يختصر الطريق، بل يمنحنا القدرة على استكماله.
سادسا: أن اليقين هو الفارق بين المؤمن وغيره.
فصدق أبي بكر رضي الله عنه لم يكن تصديقا لخبر، بل إيمانا بمن قال الخبر، وهذا درس في الثقة بالله، لا في مناقشة التفاصيل.
وفي زمن تتكاثر فيه الهزائم النفسية، وتضعف فيه المعاني قبل الأجساد، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار روح هذه الرحلة:
أن السماء قريبة،
وأن الله لا يترك عباده،
وأن من طرق بابه بصدق، فتح له ولو بعد حين.
الإسراء والمعراج ليست ذكرى عابرة،
بل منهج تربية،
ودرس وعي،
ومعراج مفتوح لكل من أراد أن يرتفع بروحه،
لا أن يكتفي بالوقوف عند حدود الحكاية.
وخاتمة القول دعاءً:
اللهم كما أسريت بنبيك ليلا، فأسْرِ بقلوبنا من ضيق الدنيا إلى سعة اليقين،
وكما عرّجت به إلى سماواتك العلا، فارفع أرواحنا عن وحل الغفلة، وقرّبنا إليك قرب المحبين الصادقين.
اللهم اجعل الصلاة قرة أعيننا، ونور صدورنا، ومعراج أرواحنا إليك،
ولا تجعلها عادة نؤديها، بل عبادة تحيينا، وتصلح بها ما فسد فينا.
اللهم إن ضاقت بنا السبل، فلا تحرمنا بابك،
وإن تكاثرت علينا الهموم، فلا تحجب عنا رحمتك،
وإن ضعفت قلوبنا، فقوّها بذكرك، وثبّتها بطاعتك.
اللهم احفظ مصر وأهلها، واحفظ أمتنا،
واجعل لنا في كل كرب فرجا، وفي كل ضيق مخرجا،
واكتب لنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك،
واجعل ختام أعمالنا نورا، ولقاءك رضوانا،
إنك ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *