أحبُّ مصر لا لأنها وطني فحسب، بل لأنها فكرة كبرى سكنت التاريخ، وموطن عقلٍ علَّم الدنيا كيف تُفكِّر قبل أن تتعلّم كيف تُقاتل. وأؤمن ــ عن يقين لا عن مجاملة ــ أن القيادة السياسية المصرية، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد وضعت بناء الإنسان في قلب مشروعها الوطني، لا بوصفه شعارًا يُرفع، بل كركيزة تُبنى عليها الدولة الحديثة. ومن الإنصاف كذلك أن يُذكر جهد وزارة التربية والتعليم، التي تحاول أن تشق طريق الإصلاح في أرضٍ أُنهكتها تراكمات السنين.
غير أن بين الإرادة في القمة، والواقع في القاعدة، مسافة لا تُقاس بالأميال، بل بالمعاناة.
التعليم في مصر اليوم يشبه سفينة قوية المحرك، لكن مجاديفها متعبة، وربانها مُقيَّد اليدين. فالمشروعات موجودة، والرؤى مُعلنة، لكن التنفيذ يصطدم بجدران الواقع الصلب داخل المدرسة، حيث يقف المعلم، ويُرهق المدير، ويتوه الطالب بين حلم الإصلاح وخشية المجهول.
وأشهد ــ من موقعي مديرًا لمدرسة ثانوية ــ أن المدرسة لم تعد ساحة تعليم فقط، بل صارت ساحة صراع يومي مع العجز الإداري، ونقص العمال، وتكدس الأعباء. مدير المدرسة اليوم يُطالب أن يكون قائدًا تربويًا، وقاضيًا، ومهندسًا، ومحققًا، ومراقبًا… ثم يُسأل: لماذا لم تُبدع؟
وكأننا نطلب من قائدٍ أن يخوض المعركة، ثم نُعطيه سيفًا من خشب.
وليس غريبًا بعد ذلك أن يهرب كثيرون من وظيفة مدير مدرسة، لا جبنًا، بل عقلًا؛ إذ كيف يُقبل العاقل على منصبٍ تُكال فيه المسئوليات بلا صلاحيات، وتُفرض فيه المحاسبة بلا تمكين، ويُلقى فيه القائد في الميدان دون إعداد حقيقي، ثم يُطلب منه الإنجاز؟
أما المعلم ــ وهو قلب العملية التعليمية النابض ــ فقصته أعقد من أن تُختصر. بين معلمٍ شريفٍ يؤدي رسالته كمن يؤدي صلاة، ومعلمٍ آخر قصّر أو تراخى، تضيع الصورة العامة. والعدل كل العدل أن نقول:
من أحسن فله التقدير، ومن قصّر فلا قداسة لتقصيره. فالتعليم لا يُبنى بالمجاملات، ولا تنهض الأوطان إذا تساوى المجتهد والمهمل.
الإصلاح الحقيقي ــ كما أراه ــ لا يكون بالصوت العالي وحده، بل بالهندسة الدقيقة: إعادة بناء دور مدير المدرسة كقائد حقيقي، لا مجرد منفذ تعليمات.
تأهيل القيادات المدرسية قبل التكليف، لا تركها تتعلم وسط الحرائق.
سد العجز الإداري باعتباره أساس الانضباط، لا تفصيلة ثانوية.
محاسبة من يُهمل رسالته التعليمية، مع حماية ودعم من يُخلص فيها.
أما الطالب، ذلك القلب الغض، فلا يجوز أن نُخيفه بالإصلاح قبل أن نُطمئنه. فالتعليم الذي يُبنى على الرعب لا يُنتج عقلًا، بل ذاكرة مرتجفة. والإصلاح الذي لا يراعي الإنسان، يتحول من نورٍ إلى عبء.
إن مصر، التي علّمت العالم أول حرف، لا يليق بها إلا تعليم يليق بتاريخها.
وإن القيادة التي اختارت طريق البناء، تستحق أن تجد في المدرسة شريكًا لا عبئًا، وفي المعلم سندًا لا منهكًا، وفي المدير قائدًا لا أسيرًا.
أقولها محبةً لا معارضة، وصدقًا لا تزلفًا:
الإرادة السياسية موجودة، والنية الإصلاحية واضحة، لكن الطريق يحتاج أن يُمهد من الداخل، حيث تقف المدرسة، ويتشكل المستقبل.
فإذا صلح التعليم، استقام الوطن…
وإذا استقام الوطن، كُتب لمصر أن تظل ــ كما كانت ــ فكرةً لا تموت.
مقالات
تهامي كرم يكتب : التعليم في مصر… حين تتقدم الإرادة ويتأخر الفعل
- by ahmed alnadeem
- 2 يناير، 2026

