17 يناير، 2026
مقالات

تهامي كرم يكتب : من أجل مصر: حين يصبح التعليم وفاءً للتاريخ وضمانًا للمستقبل

” الجمهورية الجديدة تُبنى بالعقل… والتعليم قلب المعركة ”

ليست مصر صفحة في كتاب الجغرافيا، ولا رقمًا في سجل الدول، بل فكرة كبرى مشت في التاريخ، ثم جلست تُعلّم العالم معنى الدولة، ومعنى الحضارة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانًا بالعقل قبل السيف.
مصر أرض التاريخ ووهج الحضارة، ومن كان هذا جذره، فلا يليق به إلا تعليم يوازي عظمته، ويصون مجده، ويصنع مستقبله.
لقد كتبت مصر الأولى تاريخها على الحجر، لا لأنه أصلب من الورق، بل لأنها كانت واثقة أن ما تكتبه باق. واليوم، ونحن نكتب على الشاشات، يجب أن نكون على القدر نفسه من اليقين، وأن نُدرك أن التعليم ليس خدمة عامة، بل مشروع بقاء.
إن الدولة المصرية الحديثة، بقيادة واعية أدركت أن المعركة الحقيقية معركة وعي، قد فتحت باب الإصلاح التعليمي بشجاعة. فالرئيس الذي جعل بناء الإنسان عنوانًا، والوزارة التي اقتحمت ملفات شائكة لم يجرؤ غيرها على الاقتراب منها، يستحقان الإنصاف قبل النقد. غير أن الإنصاف لا يكتمل إلا بالصدق، والصدق يقتضي الاعتراف بأن الطريق، رغم وضوحه، ما زال وعرًا.
التعليم في مصر اليوم يشبه نهرًا عظيمًا حُوِّلت مجراه، لكن ضفافه لم تُدعَّم بعد.
الأفكار متقدمة، والنية صادقة، لكن التنفيذ كثيرًا ما يتعثر عند بوابة المدرسة، حيث يواجه المعلم واقعًا مثقلًا، ويُكلف المدير بما يفوق طاقة الفرد، ويُترك الطالب بين طموح الإصلاح وقلق التجربة.
لقد دخلت التكنولوجيا، وعلى رأسها تعليم البرمجة، مدارسنا دخول الضوء المفاجئ إلى غرفة اعتادت العتمة؛ أضاء، لكنه أربك الأبصار. والبرمجة، في جوهرها، ليست أسطرًا من الشفرات، بل تدريب للعقل على النظام، وللفكر على حل المشكلات. غير أن الامتحانات العملية كشفت خللًا لا يجوز تجاهله: تفاوت في الإمكانات، ارتباك في البنية التحتية، وقياس أحيانًا للتوتر لا للفهم.
وهنا يكمن الفارق بين أمة تُجرب لتتعلم، وأمة تُخطئ فتتراجع.
مصر لا يجوز لها التراجع، بل الإتقان.
فالتعليم الذي يليق بمصر يجب أن يقوم على: عدالة في الفرص، فلا يُظلم طالب بجهاز أضعف.
وأمان نفسي، فلا يُختبر العقل في بيئة خوف.
وتأهيل حقيقي للمعلم، لأنه حجر الزاوية لا تفصيلة هامشية.
وتمكين فعلي لمدير المدرسة، لأنه القائد في الميدان لا موظف التوقيع.
أما الغش، ذلك السرطان الصامت، فقد تمدد بفضل سماعات خفية وتكنولوجيا بلا أخلاق، حتى صار الذكي في الحيلة يسبق الذكي في العلم. وهذا قلب للميزان لا تقوم معه أمة. ولا سبيل لمواجهته إلا بتكنولوجيا أذكى، وقانون أعدل، وثقافة عامة تعيد للجد قيمة، وللجهد هيبته.
إن أخطر ما قد نرتكبه ليس الخطأ، بل الاعتياد عليه.
وأعظم ما يمكن أن ننجزه ليس قرارًا، بل نظامًا يُحسن التطبيق، ويحاسب التقصير، ويكافئ الإخلاص.
مصر التي علّمت البشرية معنى الدولة، لا يجوز أن تقبل تعليمًا يكتفي بإدارة اليوم، دون أن يصنع الغد. ومصر التي أضاءت فجر الحضارة، قادرة ــ إذا صدقت النية والتقت الإرادة بالفعل ــ أن تُنير طريق المستقبل مرة أخرى.
فليكن التعليم في مصر فعل حضارة، لا مجرد إجراء إداري.
وليكن الإصلاح بناءً متدرجًا، لا صدمة مرتجلة.
وليكن الطالب محور العملية، لا ضحيتها.
عندها فقط، سنكتب ــ كما كتب الأجداد ــ ما يستحق أن يُنقش، لا على حجر هذه المرة، بل في عقل أمة تعرف من أين جاءت، وإلى أين تمضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *