13 يناير، 2026
مقالات

دكتور حمدي الهراس يكتب: العلم هو الفن الأرقى لإدارة الحياة

حين نتأمل سِيَر العلماء، ندرك أن التعلُّم لم يكن يومًا حكرًا على سنٍ بعينه أو مرحلة محددة من العمر.
ويكفي أن نعلم أن الإمام ابن الجوزي تعلَّم القراءات العشر وهو في سن الثمانين، في رسالة بليغة تقول إن باب التعلُّم لا يُغلق بعمر، ولا يتوقف عند مرحلة.

هذا المشهد وحده كفيل بأن يعيد تصحيح كثير من المفاهيم الشائعة؛
فالعقل، إذا صَدَق العزم عليه، ظلَّ قادرًا على النمو والعطاء،
ومن جعل العلم رفيقَه، لم يعرف للتأخُّر معنى.

التعلُّم… عبادة ممتدة لا تنقطع

التعلُّم ليس سباقًا زمنيًا، بل مسار حياة.
وهو عبادة ممتدة، لا يُقاس فيها العمر بعدد السنين، بل بعمق الأثر وحُسن الاستمرار.
ولهذا، لا يصح أن نقول: فات الأوان،
بل الأصدق أن نقول: ما دام في القلب نبض، ففي الطريق متَّسع.

العلم أبعد من وظيفة وشهادة

كثيرون يربطون التعلُّم بالوظيفة أو الشهادة،
لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

فالعلم:
• ليس شهادة تُعلَّق على الجدار،
• ولا لقبًا يُسبق الاسم،
• بل بناء داخلي للإنسان قبل أي شيء.

العلم يُعلِّمك كيف تُدير حياتك،
كيف تُفكِّر لا كيف تُقلِّد،
كيف تُحلِّل المشكلات بدل أن تهرب منها،
وكيف تتخذ قرارك بعقلٍ هادئ لا بردِّ فعلٍ متعجِّل.

العلم وطاقة الوعي

العلم يُنضج الوعي،
ويهذِّب السلوك،
ويُرتِّب الأولويات،
ويمنحك القدرة على فهم نفسك، والناس، والحياة من حولك.

وبالعلم:
• يظل العقل حيًّا لا يصدأ.
• وتتسع الرؤية فلا تضيق عند أول عثرة.
• ويقوى الإنسان على مواجهة تحدياته بعقلٍ واعٍ لا بنفسٍ منكسرة.

وهنا تتجلى قيمة العلم كـ طاقة عقلية وإنسانية، تُعيد شحن الإنسان ليستمر، لا ليستهلك نفسه في الدوران داخل الدوائر المغلقة.

العلم لا يمنحك حلولًا جاهزة… بل أدوات

العلم لا يمنحك إجابة جاهزة دائمًا،
لكنه يُعلِّمك كيف تبحث عن الإجابة.
ولا يَعِدك بحياة بلا مشكلات،
لكنه يمنحك أدوات حلّها والتعامل معها بحكمة.

وهذا هو الفارق بين عقلٍ يعيش بردود الأفعال،
وعقلٍ يقود حياته بوعي وتبصُّر.

خلاصة القول

من هنا، كان طلب العلم:
• قيمة حياتية،
• وسلوكًا مستمرًا،
• وارتقاءً للإنسان في دنياه،
• وقُربةً إلى الله إذا صلحت النيّة.

فاطلب العلم…
لا لأنك تبحث عن وظيفة فقط،
بل لأنك تبحث عن حياةٍ أوعى، ونفسٍ أهدأ، وعقلٍ أقوى.

كاتب المقال: د. حمدي الهراس
كاتب في تطوير الأداء الإداري والصناعي والإنساني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *