16 مارس، 2026
مقالات

دكتور حمدي الهراس يكتب: لغة الأرقام في انتخابات نقابة المهندسين.. قراءة هادئة تتجاوز لحظة الصندوق

 

في كل انتخابات نقابية أو مهنية، تميل التحليلات السريعة إلى اختزال المشهد في رقم واحد: من فاز ومن خسر.
لكن القراءة الأكثر عمقًا تبدأ دائمًا من سؤال بسيط: ماذا تقول الأرقام الكاملة؟

تُعد نقابة المهندسين المصرية واحدة من أكبر النقابات المهنية في المنطقة، إذ يتجاوز عدد أعضائها 900 ألف مهندس مسجلين في مختلف التخصصات والقطاعات.

ومع ذلك، فإن عدد المشاركين في الانتخابات الأخيرة بلغ نحو 23 ألف مهندس تقريبًا في جولة الإعادة التي حسمت منصب النقيب.

وهنا يبرز السؤال الطبيعي:
هل تعبر هذه المشاركة عن كامل الجمعية العمومية للنقابة؟

بالحساب البسيط، فإن نسبة المشاركة تبقى محدودة مقارنة بإجمالي أعضاء النقابة، وهو أمر معتاد في معظم الانتخابات النقابية حول العالم، حيث لا يشارك عادة سوى جزء من الأعضاء في التصويت، بينما يظل الجزء الأكبر بعيدًا عن المشهد الانتخابي لأسباب مختلفة تتعلق بطبيعة العمل أو البعد الجغرافي أو ضعف الاهتمام بالعمل النقابي.

لكن الأرقام تصبح أكثر إثارة للاهتمام عندما نعود إلى الجولة الأولى من الانتخابات.

الجولة الأولى… مؤشر الاتجاه الحقيقي

في الجولة الأولى من انتخابات نقابة المهندسين، تصدر المهندس هاني ضاحي نتائج التصويت بفارق واضح عن أقرب منافسيه، حيث حصل على أكثر من ثمانية آلاف صوت، وهو رقم يعكس قاعدة دعم معتبرة داخل أوساط المهندسين المشاركين في العملية الانتخابية.

وغالبًا ما تكون الجولة الأولى أكثر تعبيرًا عن الاتجاهات الأصلية للناخبين، لأن تعدد المرشحين يسمح لكل مهندس باختيار من يراه الأقرب إلى قناعاته المهنية أو النقابية.

أما جولات الإعادة بطبيعتها فتُعيد تشكيل المعادلة الانتخابية، حيث تتجمع الأصوات حول مرشحين اثنين فقط، وتدخل حسابات التحالفات والكتل التصويتية في تحديد النتيجة النهائية، وهو أمر معروف في معظم الانتخابات التي تُجرى بنظام الجولتين.

ما الذي تقوله التجربة؟

الدرس الأهم من هذه الانتخابات أن الأرقام لا تُقرأ من زاوية واحدة.

فمن ناحية، هناك نتيجة رسمية تحسم موقع النقيب الجديد وفق قواعد العملية الانتخابية، ومن ناحية أخرى هناك دلالات نقابية تعكس حجم التأييد الذي حصل عليه كل مرشح خلال مراحل التصويت المختلفة.

ولعل الأهم في هذه القراءة أن التجربة المهنية للقيادات الكبرى لا يمكن اختزالها في لحظة انتخابية واحدة.

فالمهندس هاني ضاحي، بخبرته الممتدة في إدارة مؤسسات كبرى وقطاعات استراتيجية داخل الدولة، سواء في قطاع البترول أو خلال توليه مناصب تنفيذية مهمة وصولًا إلى منصب وزير النقل، يمثل نموذجًا لقيادة مؤسسية تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل العام والمهني.

ولهذا فإن قراءة المشهد بعين موضوعية تقود إلى حقيقة بسيطة:
فالانتخابات قد تحدد موقعًا تنظيميًا في لحظة معينة، لكنها لا تعيد تعريف قيمة الخبرة أو وزن التجربة المهنية.

ما بعد الانتخابات

في النهاية، تبقى نقابة المهندسين بيتًا لكل أبنائها، ويبقى التنافس الانتخابي مرحلة طبيعية في حياة أي مؤسسة مهنية.

أما القيمة الحقيقية فتظل في الخبرات التي صنعتها السنوات، والإنجازات التي لا يختصرها صندوق انتخابي واحد.

فالعمل النقابي في جوهره ليس لحظة تصويت فقط، بل هو مسار طويل من البناء المهني وخدمة المهنة وأبنائها، وهو ما يظل الهدف الأسمى لأي قيادة نقابية.

✍️
د. حمدي الهراس
كاتب في تطوير الأداء الإداري والصناعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *