هل أصبح رمضان عندنا مجرد عرض للمظاهر… أكثر من كونه مناسبة لتغذية الروح وتوطيد روابط الأسرة؟
للأسف، لقد حولنا شهر الصوم والزهد إلى “مهرجان للتخمة”، حيث تُقاس قيمة البيت وكرامته بكمية اللحوم المهدرة لا بحجم التقوى في القلوب. صرنا نطبخ للعيون لا للبطون، ونستدين لنشتري “البريستيج” الزائف، بينما تنتهي ولائمنا الفاخرة -التي صُرفت عليها الآلاف- في أكياس القمامة، في مشهد عبثي يغتال روحانية الشهر بدم بارد.
كثير من بيوتنا تفرش موائد مليانة بكل ما يمكن تخيله: محاشي، بشاميل، طواجن، وحلويات شرقية وغربية. الشعار المرفوع دائمًا هو: “لازم السفرة تكون مافيش فيها مكان لقدم”، و “العين بتاكل قبل البق”. والبعض، في أحيان كثيرة، بيتداينوا ويدخلوا في “جمعيات” أو يضغطوا على أنفسهم لتوفير عزومة “تشرف” قدام النسايب والمعارف، لسان حالهم يقول: “نموت من الجوع طول الشهر بس وشنا ما يسودش قدام الناس في العزومة”، رغم أنهم عاجزين عن ذلك. وبهذا الشكل، ننسى الهدف الأصلي من لمتنا الرمضانية: المشاركة، الحب، الروحانية، والدفء العائلي.
الأطفال كمان بيتعلموا من كل ده درس خاطئ: إن الفرح مرتبط بالبهرجة وكثرة الطعام، مش بالقيم ولا بالصبر ولا بالعطاء. الطفل اللي بيشوف السفرة مليانة ومثيرة للدهشة في بيت الجار أو القريب، بيروح يسال أهله بعبارة “اشمعنى هما عندهم وإحنا لأ؟”، يطلب نفس الكمية، ومش عارف ليه قلبه قلق رغم كل الطعام قدامه. ثقافة “عيب العزومة تقل، دي واجهة البيت” تُزرع في النفوس، بدل ما نتعلم قيمة القناعة والاعتدال.
اللي بيزعل أكتر، إن الإسراف مش بس أكل بيترمى… ده كمان بيوصل للشارع. بنسمع الجملة الشهيرة: “محدش بياكل الأكل البايت، اعملوا جديد”، وتكون النتيجة صناديق قمامة تئن من النعمة، فساد وريحة وحشرات، وطعام مهدور في مجتمع فيه أطفال وناس محتاجة لقمة بسيطة تدور عليها في نفس الصناديق. الفرق بين الغني والفقير مش بس في المال… بل في الرسالة اللي بنتعلمها: إن الكرامة مرتبطة بالمظاهر، والفرح مرتبط بالزيادة، والنية الطيبة للآخرين بتختفي تحت وطأة جملة “عشان محدش ياكل وشنا بالكلام”.
يا ريت نقلل كمية الأكل، ونشارك الفائض مع المحتاجين، ونعلم أطفالنا إن رمضان مش بس “كنافة وقطايف” وفانوس… بل صبر، تضحية، مشاركة، وروحانية. هكذا نعيد للبيت دوره الحقيقي: مساحة دفء، حب، وقيم قبل أي مظاهر.
فهل سنستمر نزرع إسراف المظاهر… أم نرجع لأولادنا المعنى الحقيقي للرمضان ولمتنا؟
مقالات
دكتور محمد بسيوني يكتب: صوّرها لـ “الستوري”.. وسيبها لـ “الزبالة”!
- by ahmed alnadeem
- 3 مارس، 2026

