“حين يتحول البر إلى جحود… أي مستقبل ينتظر الأبناء؟”
في كل بيتٍ قد نرى صورة متكررة، تكاد تتشابه ألوانها، لكنها تختلف في درجات الألم. صورة لابنٍ قد بلغ أشده، فبدل أن يكون سندًا لوالديه وذخرًا لبيتهم، يتحول إلى عاصفةٍ من العقوق، يعلو صوته فوق صوت أبيه، ويتجرأ على من ربّاه وسهر الليالي من أجله. فيغدو البيت الذي كان ملاذًا للسكينة ميدانًا للصراع، وتغدو الكلمات الجارحة سيوفًا تمزق نياط القلوب.
إن الابن العاق ظاهرة إنسانية قديمة، تتجدد مع كل جيلٍ حين يغيب الوعي، وحين يُستبدل الوفاء بالجحود، والاحترام بالتهديد. فتراه يطلب العون كمن يستجدي السماء بالمطر، لكنه في الوقت ذاته يتوعد أباه، وينسى أن اليد التي يمدها هي ذاتها اليد التي حملته طفلًا ضعيفًا، وأطعمته من عرقها، وسقته من دموعها.
العقوق ليس كلمة عابرة، بل هو زلزال يهدم بنيان الرحمة، وسهمٌ مسمومٌ يطعن صدر الأب والأم. وهو في جوهره تمرد على ناموس الفطرة، وعصيان لنداء الضمير، وكفرانٌ بأعظم نعمةٍ أُهديت للإنسان بعد الإيمان، ألا وهي نعمة الوالدين.
إن الأب حين يسمع صوت ابنه يعلو عليه، يظل شامخًا كالجبل في وجه الريح، لكنه من داخله ينزف كما ينزف الوادي حين يجف ماؤه. هو يعلم أن الرجولة لا تُقاس بالصوت العالي، بل بالعمل الصادق، ولا تُعرف بالوعيد، بل بالوفاء والاحترام. وما أقسى أن يرى ثمرة عمره وقد ذبلت قبل أن تُثمر، أو يرى غصنه الذي رعاه قد انحنى في غير موضعه.
أيها الأبناء…
اعلموا أن برّ الوالدين ليس خيارًا عابرًا، بل هو فريضة تتقدم على كثير من الطاعات، وهو باب من أبواب الجنة لا يُفتح إلا بالمحبة والاحترام. واعلموا أن صرخة الأب المكلوم لا تذهب سُدى، وأن دمعة الأم المقهورة لا تضيع عند رب السماء.
العقوق نار، أول ما تحرق، تحرق صاحبها قبل أن تمس أباه وأمه، والبرّ نور، أول ما يضيء، يضيء قلب الابن قبل أن يشرق في بيت والديه.
تذكّروا دائمًا أن اليد التي ترفعونها على والديكم هي اليد نفسها التي أطعمتموها صغارًا، وأن الصوت الذي تعلونه فوق أصواتهم سيعود يومًا ليرتد على قلوبكم كالصدى الحزين. من جحد أباه وأمه فقد جحد إنسانيته، ومن برّهما فقد برّ نفسه قبل أن يبرّهما.
فيا أيها الأبناء… لا تجعلوا آباءكم وأمهاتكم يذوقون مرارة العقوق، فقد ذاقوا من أجلنا مرارة الجوع والتعب والسهر. واعلموا أن أجمل ما يزين وجوهكم ليس الملامح ولا القوة، بل دمعة رضى في عيون والديكم، وابتسامة رضا تشرق من وجوههم.