من آفات هذا الزمان التي تتكرر عبر العصور، وجود «هامان» إلى جوار كل صاحب سلطة؛ ذلك النموذج الانتهازي الذي يزين الباطل، ويبرر الظلم، ويستغل قربه من الحاكم لتحقيق مصالحه الشخصية، ولو كان الثمن خراب الأوطان وإهلاك العباد.
هامان لم يكن مجرد وزير في بلاط فرعون، بل كان رمزًا لكل من يسخّر علمه أو فكره أو لسانه لخدمة الطغيان. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، فجمع بين السلطة الجائرة، والعقل المضلل، والقوة المنفذة، في صورة متكاملة للفساد.
وفي كل زمان، يتكرر المشهد بأسماء مختلفة: مستشار سوء، أو إعلامي مأجور، أو رجل دين يلبس الباطل ثوب القداسة، أو مثقف يبيع قلمه. جميعهم يؤدون دور «هامان»؛ يزينون للحاكم أفعاله، ويقنعونه أن ما يفعله صواب مطلق، وأن المعارضين خونة أو أعداء.
خطورة هامان لا تقل عن خطورة فرعون؛ ففرعون قد يبطش بجهله أو غروره، أما هامان فيبطش بعلمه ومكره، ويصنع للحاكم غطاءً أخلاقيًا أو قانونيًا يبرر به ظلمه. ولذلك كان هلاكهما معًا، لأن الطغيان لا يقوم إلا بتكامل الاستبداد مع النفاق.
والمصيبة الكبرى أن وجود هامان لا يفسد الحاكم وحده، بل يفسد المجتمع كله؛ إذ تنتشر ثقافة التملق، ويُقصى أهل الصدق، ويُحارب الناصح الأمين، ويصبح قول الحق جريمة، والنفاق فضيلة.
إن أخطر ما يصيب الأمم أن يعلو صوت هامان، ويُخفت صوت موسى؛ أن يُكافأ المزينون ويُعاقَب المصلحون. فبقاء الدول مرهون بوجود من يقول كلمة الحق، لا بمن يزين الباطل.
ولذلك، فإن مقاومة هذه الآفة لا تكون إلا بإحياء قيمة الصدق، وتشجيع النصيحة، ومحاسبة المنافقين، ووعي الحاكم قبل المحكوم بأن أقرب الناس إليه قد يكون أخطرهم عليه.
فما أكثر الفراعنة، وما أكثر الهامانات… وما أقل من يقول: اتقِ الله.
فليس هامان حكرًا على قصور الحكم، بل هو ظاهرة تتسلل إلى كل موقع سلطة، صغيرًا كان أو كبيرًا. قد يكون موظفًا مقرّبًا، أو مستشارًا، أو نائبًا، أو صاحب مصلحة، مهمته الدائمة أن يقول ما يرضي المسؤول لا ما يرضي الحق، وأن يزيّن الخطأ، ويُسكت صوت النقد، ويُبعد كل ناصح أمين.
وفي الإدارات والمؤسسات، يؤدي «هامان» دورًا لا يقل خطورة: يشجع الاستبداد الإداري، ويغذي الغرور، ويقنع المدير أنه لا يخطئ، وأن الفشل مؤامرة، والاعتراض وقاحة. وبوجوده تُهمّش الكفاءات وتُكافأ الطاعة العمياء،
فتنهار المؤسسات من الداخل قبل أن يشعر أصحابها.
وما كان فرعون ليطغى لولا هامان، وما كان مدير ليفسد لولا من يبرر له فساده. فالسلطة إذا غاب عنها الصوت الصادق، أحاطت بها أصوات التملق، وكان السقوط مسألة وقت.
لذلك، أخطر ما يواجه أي مسؤول ليس النقد، بل أولئك الذين يقولون له دائمًا: «أنت على صواب».
وأعظم نعمة تُمنح لصاحب سلطة هي وجود من يجرؤ أن يقول له: أنت أخطأت.
لأن هامان لا يأتي في صورة عدو، بل يدخل متخفّيًا في هيئة ناصح، محب، مخلص، حريص على المصلحة.
صاحب السلطة غالبًا: يُفتن بالمديح أكثر مما يخاف من العاقبة و يطمئن لمن يوافقه، لا لمن يُعارضه. يرى في الناقد خطرًا، وفي المُغوي سندًا وهنا تبدأ الكارثة لأن هامان لا يقول: أنت ظالم، بل يقول: أنت قوي… والناس لا تفهمك. ولا يقول: هذا خطأ، بل يقول: الضرورة تبيحه. ومع الوقت، يصاب صاحب السلطة بما يُسمّى عمى القرب؛ فمن يقترب منه كثيرًا، لا يراه كما هو، بل كما يحب أن يُرى.
ثم إن الخوف من هامان يتطلب: تواضعًا يعترف بإمكان الخطأ وشجاعةً لقبول النصيحة المُرّة وإيمانًا بأن السلطة زائلة وهذه صفات تضعف كلما طال الجلوس على الكرسي. لذلك لم يكن هلاك الطغاة مفاجئًا في التاريخ، بل كان دائمًا نتيجة ثقةٍ عمياء في هامان.
ونستطيع أن ننهى القول بأن ليس كلُّ ذي سلطةٍ لا يخاف من هامان، بل من يخاف، ينجو… ومن يأنس به، يهلك.

