18 أبريل، 2026
مقالات

اسامة القلماوي يكتب: الرويبضة ما بين القول الزائف والفعل الفاضح

في زمنٍ يُحسن فيه البعض سبك العبارات أكثر مما يُحسن وزن الأفعال، لم تعد الكلمات دليلًا كافيًا على الحقيقة، ولا الاتهامات برهانًا على النزاهة. يكثر من يلوّح بلفظ “الرويبضة”، يردده بثقة، ويصوّبه نحو الآخرين، كأنما ينصب نفسه قاضيًا على المشهد كله. غير أن هذا الإفراط في إطلاق الوصف، كثيرًا ما يكشف عن شيءٍ آخر… شيءٍ أقرب إلى صاحبه مما يظن.

لقد قال المتنبي:
“وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ… فهي الشهادة لي بأني كاملُ”

غير أن المسألة هنا لا تتعلق بالمذمّة بقدر ما تتعلق بمن يوزّعها. فليس كل من ذمّ غيره بريئًا مما يقول، بل قد يكون الذمّ نفسه انعكاسًا لصورةٍ يخشى مواجهتها في ذاته. وكأن الاتهام يصبح وسيلة للهروب، لا أداة للحقيقة.

في الأدب العربي إشارات كثيرة إلى هذا التناقض؛ فقد قيل:
“كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ… والماء فوق ظهورها محمولُ”

وهو تصوير دقيق لحال من يبحث عن الحقيقة في الخارج، بينما يتجاهلها في داخله. يطارد “الرويبضة” في الآخرين، وهو أقرب ما يكون إليه، يحمل أسبابه بين يديه، لكنه لا يراها.

الرويبضة في هذا السياق لا يُعرَف بكثرة الكلام فحسب، بل بطريقة استخدامه للكلام. هو من يُكثر من الحديث ليُخفي، لا ليُظهر؛ من يرفع صوته ليُغطي، لا ليُبيّن. يظهر بوجهٍ يلمع بالعبارات، بينما تخالفه أفعاله في الخفاء.

وقد عبّر الجاحظ عن هذا المعنى حين أشار إلى أن “البيان قد يُحسن القبيح ويُقبّح الحسن”، في إشارة إلى قدرة الكلام على التزييف حين يُستخدم لغير موضعه. وهنا تكمن الخطورة: أن يتحول اللفظ إلى أداة تمويه، وأن يصبح الاتهام غطاءً لواقعٍ مغاير.

لكن، مهما طال هذا التزييف، تظل الحقيقة أبقى. فالزمن لا يبدّل الوقائع، بل يكشفها على مهل. والأفعال، وإن أُحيطت بزينة القول، تظل أصدق شهادة على أصحابها. كما قيل:
“لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده… فلم يبقَ إلا صورة اللحم والدمِ”

فإن اختلّ الفؤاد، وفسدت النية، لم تُجدِ البلاغة في ستر الحقيقة طويلًا.

وهكذا، يتحول المشهد إلى مفارقة واضحة: من يكثر الحديث عن “الرويبضة”، قد يكون أقربهم إليه، لا لأنه قال الكلمة، بل لأنه جعلها وسيلة يتخفّى بها. يتهم ليبتعد، ويُدين ليُخفي، ويصنع من اللغة حصنًا يقيه مواجهة ذاته.

وفي النهاية، لا يُحسم الأمر بكثرة القول، بل بثقل الفعل.
ولا تُعرف الحقائق بما يُقال عنها، بل بما تتركه من أثر.

ويبقى السؤال معلقًا:
من هو الرويبضة؟
من يُشار إليه في العلن… أم من يصنع الاتهام في الخفاء؟

الإجابة لا تحتاج إلى ضجيج…
يكفيها أن تنتظر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *