مع إعلان نتيجة الثانوية العامة كل عام، يبدأ آلاف الطلاب وأولياء الأمور رحلة البحث عن التخصص الجامعي الذي يصنع المستقبل.
خلال الأيام الماضية تلقيت العديد من الاتصالات والرسائل من عدد من الأصدقاء، وكان السؤال الأبرز: هل ما زالت دراسة اللغة الصينية تمثل فرصة واعدة؟ وهل تستحق الالتحاق بأقسام اللغة الصينية المنتشرة في الجامعات المصرية؟
والحقيقة أن الإجابة لا يمكن أن تكون بـ”نعم” أو “لا”، بل ترتبط بالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وبالمكانة المتصاعدة التي تحتلها الصين في الاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار؛ إذ أصبحت اللغة الصينية اليوم مفتاحًا مهمًا للمعرفة وصناعة المستقبل.
وإذا كانت اللغة الإنجليزية قد هيمنت لعقود على مجالات العلم والأعمال، فإن اللغة الصينية تفرض نفسها اليوم باعتبارها إحدى أهم لغات المستقبل. ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال، ليس للدعوة إلى تعلم اللغة الصينية فحسب، وإنما لتعلمها برؤية جديدة تجعلها بوابة إلى التخصص والتميز، لا مجرد وسيلة لممارسة مهنة الترجمة.
وقبل أن أمضي في هذه الرؤية، أود أن أؤكد تقديري الكبير لمهنة الترجمة ولروادها؛ فقد كان المترجمون المصريون الذين تعلموا اللغة الصينية، وكذلك الصينيون الذين تعلموا اللغة العربية، منذ عقود، هم الجسر الأول الذي عبرت عليه المعرفة والتواصل بين مصر والصين، وأسهموا بدور وطني وعلمي بارز في دعم العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية بين البلدين. ولا تزال الترجمة، ولا سيما الترجمة المتخصصة، من المهن الرفيعة التي لا غنى عنها، بل إن الحاجة إليها تزداد كلما اتسعت مجالات التعاون بين البلدين.
غير أن اتساع العلاقات المصرية الصينية، وتنوع مجالات التعاون، والتطورات المتسارعة في سوق العمل، أوجدت احتياجًا جديدًا إلى جانب الترجمة، يتمثل في كوادر تجمع بين إتقان اللغة الصينية والتخصص في مجالات مثل الاقتصاد، والهندسة، والطب، والقانون، والإعلام، والذكاء الاصطناعي، وغيرها. ومن هنا جاءت هذه الدعوة؛ فهي لا تستبدل الترجمة بالتخصص، وإنما تدعو إلى إضافة التخصص إلى اللغة، بما يفتح آفاقًا أوسع أمام الأجيال الجديدة.
في الماضي، كان إتقان اللغة الصينية وحده ميزة نادرة تكفي لفتح أبواب كثيرة، أما اليوم فقد ازداد عدد دارسي اللغة، وتطورت تطبيقات الترجمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وأصبح سوق العمل يبحث عن قيمة مضافة تتمثل في الجمع بين اللغة والتخصص.
ولعل من المفارقات التي تدعو إلى الفخر أن مصر امتلكت رؤية مبكرة عندما أدخلت اللغة الصينية إلى جامعاتها منذ سبعين عامًا؛ إذ لم تنتظر الصعود الصيني حتى تهتم بلغتها، بل كانت سباقة في هذا المجال، ففي عام 1956 أصبحت جامعة عين شمس أول جامعة في مصر والعالم العربي وأفريقيا تؤسس برنامجًا جامعيًا لتدريس اللغة الصينية، بالتزامن مع إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وجمهورية الصين الشعبية. ومن هذا القسم تخرجت أجيال من المترجمين والدبلوماسيين والباحثين الذين كان لهم دور بارز في بناء جسور التواصل بين القاهرة وبكين.
ومع اتساع العلاقات المصرية الصينية، شهدت مصر مرحلة جديدة بإنشاء معاهد كونفوشيوس، وكان أولها بجامعة القاهرة، الذي بدأ نشاطه عام 2008 بالتعاون مع جامعة بكين، كما أُنشئ معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس بالتعاون مع جامعة بكين للغة والثقافة. ثم تبع ذلك إنشاء عدد من فصول كونفوشيوس في جامعات ومؤسسات تعليمية مصرية، من بينها جامعة عين شمس وجامعة الأقصر، بما أسهم في نشر اللغة والثقافة الصينية، وتنظيم اختبارات الكفاءة الدولية (HSK)، وتقديم المنح الدراسية والأنشطة الثقافية. واليوم تُدرَّس اللغة الصينية في أكثر من عشرين جامعة مصرية، وهو تطور يعكس عمق العلاقات بين البلدين والاهتمام المتزايد باللغة الصينية في مصر.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية مختلفة؛ فالعقد القادم سيكون، في تقديري، عقدًا تزداد فيه أهمية الصين على المستويات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية،وستظل الشركات والمؤسسات بحاجة إلى من يتقنون اللغة الصينية، لكن احتياجاتها ستتجه بصورة أكبر إلى من يجمعون بين اللغة والتخصص.
لذلك فإن نصيحتي للشباب هي: تعلموا اللغة الصينية، ولكن لا تتوقفوا عندها، تعلموها مع الاقتصاد وستقرأون السوق الصينية من مصادرها الأصلية ،وتعلموها مع الهندسة، وستفهمون التكنولوجيا الصينية وتتعاملون مع الشركات الرائدة. وتعلموها مع القانون، وستصبحون أكثر قدرة على العمل في العقود الدولية والتحكيم التجاري. وتعلموها مع الإعلام، وستقرأون المشهد الصيني بلغته، بعيدًا عن النقل غير الدقيق. وتعلموها مع الذكاء الاصطناعي، أو الطب، أو الزراعة، أو الطاقة، أو السياحة، أو إدارة الأعمال، وستمتلكون ميزة تنافسية يحتاجها سوق العمل.
فالمؤسسات اليوم لا تبحث فقط عن مترجم يجيد الصينية، وإنما عن مهندس يتحدث الصينية، وطبيب يتحدث الصينية، ومحامٍ يتحدث الصينية، وخبير اقتصاد يتحدث الصينية، وباحث في الذكاء الاصطناعي يتحدث الصينية، وإعلامي يفهم الصين بلغتها وثقافتها.
وهنا أود أن أوجه نصيحة أخرى لا تقل أهمية، وهي ضرورة الاهتمام باللغة العربية. فإتقان اللغة الأم ليس أمرًا منفصلًا عن تعلم اللغات الأجنبية، بل هو أساس النجاح فيها. فكلما كان الطالب متمكنًا من لغته الأم، استطاع أن يفهم النص الصيني بصورة أدق، وأن ينقل معانيه بروحها الحقيقية، وأن يكتب ويحلل ويعبر بوضوح. وخلال سنوات عملي، وجدت أن أفضل المترجمين والباحثين هم الذين جمعوا بين الإتقان العميق للعربية والإجادة العالية للصينية. فاللغة الأم ليست منافسًا للغة الأجنبية، بل هي أساسها.
كما أود أن أوجه رسالة إلى أولياء الأمور: إذا أتيحت الفرصة لأبنائكم لتعلم اللغة الصينية منذ نعومة أظفارهم، فلا تترددوا، ليس لأنهم سيصبحون جميعًا مترجمين أو متخصصين في الشأن الصيني، ولكن لأن تعلم لغة جديدة في مرحلة الطفولة ينمي مهارات التفكير والذاكرة والقدرة على التعلم والتواصل مع الثقافات المختلفة. فعندما يكبر هؤلاء الأطفال، ستكون اللغة الصينية أداة إضافية تعزز نجاحهم، أيًا كان المجال الذي سيختارونه. فالطفل الذي يتعلم لغة جديدة لا يحفظ كلمات فحسب، بل يكتسب طريقة جديدة في التفكير ورؤية العالم.
إن تعلم اللغة الصينية لم يعد استثمارًا في وظيفة فحسب، بل أصبح استثمارًا في المستقبل. فاللغة تفتح الباب، لكن التخصص هو الذي يصنع القيمة.
رسالتي الأخيرة لكل شاب وفتاة: اجعل حلمك أن تصبح أفضل متخصص في مجالك… يتحدث اللغة الصينية، فالمستقبل لن يكون للأكثر معرفة بلغة أجنبية فحسب، بل للأقدر على توظيفها في إنتاج المعرفة والابتكار وصنع القرار.”
عندها لن تكون اللغة مجرد وسيلة للكسب، بل ستكون جسرًا إلى المعرفة، وأداة للإبداع، ونافذة تطل منها على واحدة من أهم الحضارات، وإحدى أكبر القوى المؤثرة في القرن الحادي والعشرين.
…
*المستشار الاعلامي المصري السابق بالصين
والخبير بالشئون الصينية والأسيوية
Sallamahmed2@gmail.com

