10 أغسطس، 2026
الكهرباء مقالات

محمد محمود يكتب: أسعار الكهرباء.. الحل في سد “ثغرات الفقد” لا جيوب المواطنين

بعد رفع أسعار الكهرباء في مطلع الشهر الجاري اتضح لي أن كل مرة تواجه فيها الموازنة العامة ضغوطاً بسبب تكاليف إنتاج الطاقة، يتجه الحل الجاهز والأسرع نحو جيب المواطن، حيث ترفع الأسعار وتعدل الشرائح وتبرر الخطوات بالحاجة الملحة لسد مديونيات قطاع البترول وتأمين وقود محطات التوليد.

وبصفتي صحفياً متخصصاً في شؤون الطاقة، يأتيني يومياً العديد من شكاوى المواطنين الذين يعبرون عن ضيقهم من تزايد الأعباء المالية من ناحية، ومن ناحية أخرى ولأنني على دراية كاملة بما يحدث خلف كواليس غرف التحكم في الطاقة، فإن نظرة عميقة لما يدور خلف هذه الجدران المغلقة تؤكد بوضوح أننا نعالج العرض ونترك المرض، وأن الحقيقة المرة التي يتم التغافل عنها دائماً هي “الفقد التجاري”.

ولا أحد ينكر أن هذا الفقد التجاري، والمتمثل أساساً في سرقات التيار الكهربائي والتوصيلات غير القانونية والتلاعب بالعدادات، ليس مجرد تفصيلة فنية بسيطة بل هو الثقب الأسود الذي يلتهم جهود الدولة مالياً وفنياً على حد سواء.. وأصبحنا نحن أمام معادلة مقلوبة وغير عادلة في آن واحد، فالنظام الحالي يعاقب المواطن الملتزم الذي يرشد استهلاكه ويسدد فاتورته بانتظام عبر تحميله تكلفة طاقة لم يستهلكها، ليتحول في النهاية إلى ممول رغماً عنه لسرقات الآخرين دون أي ذنب.

فكيف نحمل محلاً تجارياً ملتزماً بالقانون تكلفة إضافية وأسعاراً مرتفعة وقت الذروة، بينما يقف بجواره تماماً بائع جائل يسرق التيار الكهربائي عياناً بياناً ودون أي مقابل، رغم أن الحالتين ربما يبيعان نفس السلعة تماماً ولذات الجمهور وبنفس السعر، مما يخلق بيئة تنافسية مشوهة تظلم الملتزم وتكافئ المخالف.

إن استسهال خيار رفع الأسعار لتعويض النقص المالي يمثل حلقة مفرغة تؤدي مباشرة إلى تعميق الظلم الاجتماعي حيث يتساوى الملتزم بالقانون مع المخالف في تحمل التكلفة بل يدفع الأول ثمن استهتار الثاني. كما أن الارتفاع المستمر للمشتركين الرسميين من منازل أو مصانع قد يدفعهم للتعثر أو الانكماش الاقتصادي مما يقلل إيرادات الدولة الرسمية في النهاية، فضلاً عن استمرار استنزاف قطاع البترول لأن السرقات تعني استمرار سحب الوقود من حقول الغاز والمازوت لإنتاج طاقة تذهب في الهواء بلا عائد مالي يسدد المديونيات المتراكمة.

الأزمة إذن ليست في سعر الكيلوات بل في الكيلوات الضائع من الشبكة، والحل المستدام لن يخرج أبداً من جيوب المواطنين بل يبدأ من غرف التحكم عبر رقمنة الشبكة بالكامل والإسراع في التحول إلى الشبكات الذكية والعدادات مسبقة الدفع التي تكشف أي تلاعب في سحب التيار فوراً. كما يتطلب الأمر تفعيل المحاسبة الذكية بالمناطق عبر تركيب عدادات رئيسية على المحولات لمقارنة الطاقة الخارجة بإجمالي قراءات المشتركين وتحديد المربعات السكنية التي تشهد نزيفاً ومحاصرتها قانونياً، بالتوازي مع الحسم التشريعي والميداني وتغليظ عقوبات سرقة التيار لتصبح رادعة بما يكفي لإنهاء هذه الظاهرة من جذورها.

إن تقليل الفاقد يعادل عملياً إنتاج طاقة جديدة ولكن بتكلفة أقل ودون استهلاك وقود إضافي أو إنشاء محطات جديدة، فعندما نفقد ما يقرب من 20% مما ننتجه من الكهرباء فإن إعطاء أولوية أكبر لتقليل هذا الفاقد سيحقق وفورات كبيرة ويخفف الحاجة تماماً إلى أي زيادات مستقبلية في الأسعار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *