ثمة أناس إذا ماتوا انطفأ شيء في المكان، وثمة أناس إذا رحلوا انطفأ شيء من القلب؛ لأنهم لم يكونوا مجرد أشخاص عبروا في حياتنا، وإنما كانوا ظلالا وارفة استظل بها آخرون، ومواضع أمان في زمن كثرت فيه الرياح.
ومثل هؤلاء لا يُرثون بالكلمات وحدها؛ فالكلمات، مهما سمت، تضيق عن حمل سيرة إنسان عاش هادئا ومضى هادئا، وترك وراءه من الأثر ما يجعل غيابه أشد حضورا من حضور كثير من الأحياء.
ومن هذه الأرواح كانت الحاجّة نادية محمود دقة.
لم تكن حياتها صاخبة، ولم تكن ممن يرفعون رايات صلاحهم في الطرقات، بل كانت تمضي إلى الله في هدوء؛ كالسراج الذي لا يحدث ضجيجا حين يبدد الظلمة، وكالماء الذي يشق طريقه في الأرض دون أن يطلب من أحد أن يراه.
بلغت منذ ثلاثة أعوام سن السعادة، فإذا بها لا ترى في تقدم العمر انحسارا من الدنيا، بل اقترابا من الآخرة؛ وكأنها أدركت أن السنوات الأخيرة ليست زيادة في عدد السنين، وإنما فرصة لتخفيف الحمل قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة.
فأقبلت على ربها إقبالا يشبه إقبال المسافر على وطنه حين يرى من بعيد أول معالمه.
كانت الصلوات الخمس في حياتها أوتادا لا تميل، تقيم عليها يومها، وترد بها اضطراب القلب إلى سكينته.
وكان صيام الاثنين والخميس رفيقا ثابتا لا تكاد تفارقه.
وكان الليل لها بابا آخر؛ فإذا أرخى سدوله، وأطفأ الناس مصابيحهم، أضاءت هي مصباحا لا تراه العيون، وقامت بين يدي ربها.
ثم تفتح المصحف…
وهنا تبدأ حكاية أخرى.
كان لها ورد يومي من القرآن يمتد من بعد قيام الليل إلى أن يطلع الفجر؛ فإذا جاء الفجر توضأت وصلت، ثم واصلت تلاوتها، ثم صلت الشروق والضحى، حتى إذا اطمأن قلبها إلى أن الليل والنهار قد تركا فيهما أثرا من القرآن، آوت إلى النوم.
كان القرآن في يومها كالماء في أرض عطشى؛ لا تروى منه مرة ثم تستغني، وإنما كلما شربت ازداد القلب طلبا.
لكن أعظم ما في عبادتها أنها لم تكن سجادة مطوية في ركن البيت، وإنما كانت خلقا يمشي على قدمين.
كان لها مع الناس نصيب من عبادتها لا يقل عن نصيبها من الليل.
كانت جابرة للخواطر على نحو نادر.
تدخل إلى قلب المكلوم كما تدخل قطرة الندى إلى ورقة ذابلة؛ لا تحدث صوتا، ولكنها تترك الحياة في موضع ظنه صاحبه قد مات.
كانت تعرف أن بعض الناس لا يحتاجون إلى حل مشكلاتهم بقدر ما يحتاجون إلى من يقول لهم، بالفعل أو الكلمة، إنهم ليسوا وحدهم.
ولذلك لم تكن تمر على قلب إلا تركت فيه شيئا من العزاء.
ولم يعرف عنها أهلها ومن عاشروها أنها تعمدت إيذاء إنسان، أو حملت على أحد ضغينة، أو تركت وراءها خصومة تستوطن الصدور.
كأنها كانت تحفظ قلبها من الأحقاد كما يحفظ المرء ثوبه الأبيض من الغبار؛ لأن القلب، في رحلتها إلى الله، لم يكن يحتمل أمتعة زائدة.
وكانت صلة الرحم عندها من تلك الأعمال التي لا تحتاج إلى إعلان.
تزور، وتسأل، وتصل، وتحنو؛ حتى كان آخر أيامها بين أهلها وذوي رحمها.
وكأن الرحلة التي بدأت بالصلاة في محراب الليل أراد الله أن يختمها عند باب الرحم.
—
ثم أخذت الأيام الأخيرة لونها الخاص.
وقبل أربعة أيام من رحيلها، بدأت تتحدث عن غسلها بعد الموت، وأوصت صديقتها التي كانت تعمل في تغسيل الموتى أن تتولى غسلها، وبيّنت لها ما تحب أن يكون عليه غسلها، ثم عادت في اليوم التالي تؤكد وصيتها.
كانت كلمات تبدو لمن يسمعها غريبة…
أما الآن، وقد اكتملت الصورة، فإنها تبدو كأنها آخر ترتيب لأمتعة مسافرة تعرف أن موعد القطار قد اقترب، ولا تريد أن تترك لمن بعدها شيئا يشغلهم عنها.
لم تكن تتحدث عن الموت كمن يراه وحشا مقبلا، وإنما كمن يهيئ نفسه لموعد طالما علم أنه آت.
ثم جاء يوم الخميس.
وكانت صائمة.
ذهبت إلى أختها، فأفطرت في بيتها، وجلست معها تشرب الشاي.
كان لقاء عاديا في صورته، لكنه كان يحمل في الغيب معنى آخر.
كان ذلك آخر كوب شاي تشربه عند أختها.
ولم تكن الكلمات التي قيلت يومها تبدو ذات شأن؛ غير أن بعض الكلمات لا تكشف عن ثقلها إلا بعد أن يغيب أصحابها.
وهكذا تتحول الأشياء الصغيرة، بعد الفراق، إلى آثار عظيمة؛ مقعد فارغ، باب لم يعد يفتح، رائحة ثوب، صوت ضحكة، أو كوب شاي كان آخر كوب.
—
ثم جاء يوم الجمعة.
وكانت قد قرأت سورة الكهف بعد صلاة الجمعة.
يوم الجمعة الذي تتفتح فيه للروح نوافذ من الطمأنينة، كأن الأسبوع كله يخلع عن نفسه غباره ليستريح ساعة في رحاب هذا اليوم.
ثم عادت إلى أهلها.
وهناك طلب منها ابنها الأكبر أن تصنع له كوبا من الشاي.
فصنعته له بيديها.
ولم يكن يدري أن اليد التي تمتد الآن إلى الكوب ستغيب عنه بعد قليل، وأن هذا الكوب الذي يمر في يده في لحظة عابرة سيبقى في ذاكرته أثقل من أعوام طويلة.
كان الشاي جميلا على نحو استوقفه؛ أخذ يستطيب مذاقه ويثني عليه، وهي تنظر إليه بابتسامتها الهادئة، مسرورة بما يصنع الفرح الصغير في قلب ابنها.
ثم باركت له شرابه بدعائها العفوي:
«بالهناء والشفاء.»
يا لها من كلمة بسيطة!
لكن أليس أكثر ما يبقى من الأمهات هو الأشياء التي لم ننتبه إلى عظمتها وهي تحدث؟
صوت ينادينا.
يد تضع الطعام.
دعوة تخرج بلا تكلف.
ابتسامة عابرة.
وكوب شاي صنعته أمٌّ لابنها ولم يكن يعلم أنه سيكون آخر ما تصنعه له يداها.
ثم مضت إلى أختها.
وكانت صائمة.
وكانت قد أكملت في ذلك اليوم ما ألفته من صلاة وقرآن وصلة رحم.
هناك، في ذلك البيت، بدا كأن خيطا خفيا يجمع أطراف الحكاية كلها.
آخر كوب عند الأخت بالأمس.
وآخر كوب لابنها في اليوم التالي.
والصيام.
والجمعة.
وسورة الكهف.
والرحم.
ثم…
رفعت بصرها إلى السماء.
ولم يكن ثمة ما يحتاج إلى شرح.
ابتسامة هادئة مرت على وجهها…
ثم فاضت روحها إلى بارئها.
كان المشهد أسرع من أن تستوعبه القلوب.
وكأن الحياة قالت لها في تلك اللحظة: انتهى الطريق.
وكأنها أجابت بصمت: آن موعد العودة.
وقد كانت تدعو الله أن يأخذها إليه من غير أن تتعب أحدا معها؛ فجاءها الرحيل، كما نرجو ونحسن الظن، خفيفا لا يطيل على أهلها ألم الانتظار.
—
ثم جاءت الجنازة.
وهنا تكلمت الحياة بلغتها التي لا تعرف المجاملة.
كان المشهد كبيرا على نحو لافت؛ حشود من الناس، ووجوه جاءت لتودع، ورجال كبار السن، جاوز بعضهم الخامسة والستين، يتسابقون إلى حمل نعشها.
وفي مثل هذه اللحظة لا تنفع الألقاب.
فالنعش لا يعرف منصبا، والقبر لا يسأل عن جاه، والموت يسوي بين الناس جميعا.
لكن الناس هم الذين يجيبون عن سؤال آخر:
ماذا ترك هذا الإنسان فينا؟
وكان جوابهم يومها واضحا.
لقد تركت نادية محبة.
فالرجل الكبير الذي يتقدم ليحمل نعشها لا يحمل خشبا وميتة فحسب؛ إنه يحمل شيئا من جميل عاشه، أو كلمة سمعها، أو خاطر جبرته، أو مودة بقيت في نفسه.
وهكذا بدا المشهد كأنه ميزان أخير للسيرة؛ لا يزن الذهب، ولا العقار، ولا المال، وإنما يزن أثر الإنسان في قلوب الناس.
كانوا يتسابقون إلى حمل نعشها، وكأن كل واحد منهم يريد أن يقول:
كان لي عند هذه المرأة شيء من الخير، وأريد أن أكون في آخر الطريق قريبا منها.
—
وفي غسلها، شهد من حضر ما رآه من إشراق ونور.
ونحن لا نزكي على الله أحدا، ولا نقطع لأحد بمقام عنده؛ فالله أعلم بالسرائر، وهو وحده الذي يملك مفاتيح الغيب.
لكننا نرجو لمن عرفناه في الخير خيرا، ونستبشر بما يسر القلب، ونسأل الله أن يجعل ما رأوه بشارة ورحمة.
وإذا تأملنا خاتمتها وجدناها امتدادا لطريقها لا حدثا منفصلا عنه.
كانت حياتها صلاة، فكان رحيلها هادئا.
وكانت حياتها صياما، فكان آخر يوم من أيامها صياما.
وكانت حياتها قرآنا، فكان القرآن حاضرا في يومها الأخير.
وكانت حياتها صلة رحم، فكان آخر عهدها بالدنيا بين أهلها.
وكانت حياتها جبر خواطر، فكان آخر ما تركته في قلوب أبنائها وأهلها ابتسامات وذكريات لا تنسى.
كأن الخاتمة كانت الصفحة التي كتبتها الأيام بمداد العمر كله.
—
يا نادية…
لقد مضيت، وبقي منك ما لا يستطيع الموت أن يأخذه.
بقيت سيرة امرأة لم تجعل من الحياة ميدانا للخصومة، ولا من الناس سلما لمصلحة، ولا من العبادة زينة للحديث.
بقيت امرأة عرفت أن الطريق إلى الله لا يمر بالمساجد وحدها، بل يمر أيضا بقلب إنسان حزين، ورحم ينبغي أن توصل، وكلمة ينبغي أن تقال في وقتها، ويد ينبغي أن تمتد بالخير.
ولعل أجمل ما تركتِه في الدنيا أنك علمت من عرفك، من غير خطبة ولا موعظة، أن الإنسان يستطيع أن يكون طيبا دون ضجيج.
وأن العبادة حين تصح، لا تجعل صاحبها أكثر قسوة على الناس، بل أكثر رحمة بهم.
وأن العمر مهما امتد، فإن أجمل ما فيه أن يلقى الإنسان ربه وقد خفف عن غيره شيئا من أثقال الحياة.
أما ابنك الأكبر…
فسيبقى في ذاكرته ذلك المشهد الصغير الذي لم يكن يعلم أنه يودع فيه أمه:
كوب شاي أعجبه طعمه…
أم تبتسم…
ودعوة تخرج من شفتيها:
«بالهناء والشفاء.»
وسيظل ذلك الكوب، مهما مضت الأعوام، أكثر من كوب.
سيكون قطعة من زمن كانت فيه أمه حاضرة، تجلس أمامه، وتصنع له بيديها شيئا صغيرا من الفرح.
ثم غابت الأم…
وبقي الفرح الصغير.
وهكذا يموت الإنسان مرة، لكن الأشياء التي صنعها بحبه تظل تحيا من بعده.
—
رحم الله الحاجّة نادية محمود دقة رحمة واسعة، وجعل القرآن أنيسها، والطاعة ذخرا لها، والرحمة ظلا يظلها في قبرها.
اللهم اغفر لها، وارفع درجتها، وآنس وحشتها، واجعل ما قدمته من خير في حياتها نورا لها بعد مماتها.
اللهم اجزها عن كل رحم وصلته، وكل خاطر جبرته، وكل صلاة أقامتها، وكل حرف من كتابك تلته، واجعل لها من رحمتك نصيبا يليق بكرمك لا بأعمالها.
ثم اجعل لأهلها من بعدها صبرا جميلا، ورضا يخفف مرارة الفقد، وذكرا حسنا يحيي سيرتها في القلوب.
—
ما أقصر الحياة حين ننظر إليها من آخر الطريق!
وما أغنى الإنسان حين يخرج منها وقد ترك وراءه قلوبا تدعو له بدل أن تدعو عليه، وذكريات تبتسم حين تستحضره بدل أن تنكمش ألما منه.
لقد غادرت نادية الدنيا كما تغادر سفينة هادئة شاطئا ألفته طويلا؛ لا تأخذ الشاطئ معها، لكنها تترك على الرمل آثار مسيرها.
وربما كانت أجمل شهادة يمكن أن يتركها إنسان بعد رحيله أن يقول الناس عنه:
لم يؤذنا.
ثم يزيدون:
بل كان يجبر خواطرنا.
رحلت نادية…
فانطفأ مصباح في بيت، لكن بقي ضوؤه في بيوت كثيرة.
وغاب وجه، لكن بقي أثره.
وسكت صوت، لكن بقيت دعواته.
وانتهت حياة امرأة…
وبقيت سيرتها تقول لنا، في صمت أبلغ من الكلام: إن أجمل ما يستعد به المرء للرحيل أن يجعل مروره في الدنيا رحمة.

