في المشاهد الانتخابية الحسّاسة، لا يمكن قراءة التحركات بمعزل عن توقيتها، ولا فهم الرسائل السياسية خارج سياقها العام. فالتوقيت هنا ليس تفصيلًا، بل جزء من المعنى ذاته. ومن هذا المنطلق، أثارت بعض الزيارات والاجتماعات التي أجراها مرشحون —تم التعامل معهم باعتبارهم «نوابًا قادمين»— قبل الإعلان الرسمي لنتائج الانتخابات، جدلًا مشروعًا حول دلالات هذه التحركات وحدودها السياسية والمؤسسية.
الجدل لم يكن نابعًا من اللقاءات الشعبية وحدها، بل من فتح أبواب بعض المسؤولين لهؤلاء المرشحين، وعقد اجتماعات معهم في توقيت يسبق إعلان النتائج من الهيئة الوطنية للانتخابات. وهو ما حمل سياسيًا إيحاءً باعتراف مبكر بواقع لم يُحسم بعد، ورسالة غير محسوبة للرأي العام توحي —ولو ضمنيًا— بأن النتائج باتت معروفة سلفًا.
غير أن قراءة هذا المشهد قراءة منضبطة تقتضي التذكير بحقيقة جوهرية وحاسمة، عبّر عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضوح لا لبس فيه ولا تأويل:
لن يأتي نائب تحت قبة البرلمان إلا بإرادة الناخبين.
كلمة قاطعة تُغلق باب الاجتهاد، وتحسم الجدل، وتؤكد أن شرعية البرلمان تُستمد حصريًا من صندوق الاقتراع، لا من زيارات استباقية، ولا من اجتماعات قبل أوانها، ولا من مؤشرات غير رسمية.
سياسيًا، تمثل هذه الكلمة طمأنة ضرورية لجميع الأطراف: للناخب الذي يريد ضمان احترام صوته، وللمرشح الذي ينتظر شرعيته القانونية، وللمؤسسات التي تُدير المشهد. فهي ترسخ مبدأ أن الدولة —بحكمة قيادتها الواعية— تحترم الإرادة الشعبية، وتدرك أن أي مساس بها، حتى ولو كان شكليًا، ينعكس مباشرة على الثقة العامة في المسار الديمقراطي.
وتكتسب هذه الطمأنة أهمية مضاعفة في ظل ما أُثير حول بعض الملاحظات والتجاوزات القانونية التي شابت العملية الانتخابية في عدد من الدوائر. إذ يظل الطعن حقًا دستوريًا أصيلًا، وقد يترتب عليه —حال ثبوت المخالفات— إلغاء الانتخابات أو إعادتها. وهو مسار لا ينتقص من هيبة الدولة، بل يؤكد رسوخ دولة القانون وسيادة المؤسسات.
من هنا، يصبح التريث السياسي واجبًا، واحترام التوقيت المؤسسي ضرورة لا غنى عنها. فالإشارات المبكرة، مهما حسنت النوايا، لا تصنع شرعية، بينما الانتظار القانوني والصمت المنضبط يضيفان احترامًا وثقة وهيبة للمشهد العام.
وفي المحصلة، وبين حركة السياسة وضبط الدولة، تبقى القاعدة ثابتة لا تقبل الجدل: لا نائب بلا صندوق، ولا شرعية بلا ناخبين، ولا كلمة تعلو فوق كلمة الشعب…
وهي القاعدة التي حسمها الرئيس السيسي بوضوح.. فليطمئن الجميع.

