11 يوليو، 2026
أخبار مصر

«أمهات مع إيقاف التنفيذ» أحدث ابداعات شرين سيف الدين.. عندما تتحول الرواية إلى قضية مجتمع

رؤية نقدية بقلم : أحمد سلام
ليست هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها للأديبة والكاتبة الصحفية شيرين سيف الدين؛ فقد سبقت لي قراءة روايتيها “سرك في بير” (2020) و”لو مهتم كنت عرفت” (2022)، اللتين كشفتا عن كاتبة تمتلك حسًا إنسانيًا وقدرة لافتة على التقاط تفاصيل الواقع وتحويلها إلى عمل أدبي مشوق.
ومع انتهائي من قراءة أحدث أعمالها، “أمهات مع إيقاف التنفيذ”، تأكد لي أنها تواصل مشروعها الأدبي المنحاز إلى الإنسان؛ ذلك الأدب الذي لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يوقظ الضمير ويعيد فتح ملفات يفضل المجتمع أحيانًا تجاهلها. ومن خلال المعالجة الروائية ، تترك الكاتبة للقارئ مساحة واسعة للتأمل واستخلاص دلالات العمل بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.
والحقيقة فإن الرواية لا تعتمد على حبكة تقليدية أو مفاجآت متلاحقة بقدر ما تبني عالمها بهدوء وثقة، فتنسج حكاية تتقاطع فيها المشاعر مع الواقع، وتتداخل فيها الأسئلة مع المواقف، في بناء روائي يدفع القارئ إلى مواصلة القراءة، ليس لمعرفة ماهي نهاية الأحداث فحسب، وإنما للتأمل فيما يطرحه النص من قضايا إنسانية واجتماعية.
وما يميز هذا العمل أن شيرين سيف الدين قدمت نماذج إنسانية تنبض بالحياة، يجد القارئ ملامحها في محيطه الاجتماعي، وكأنها شخصيات خرجت من قلب الواقع إلى صفحات الرواية، ويعزز هذا الإحساس بالواقعية نجاح الكاتبة في توظيف المكان بوصفه أحد عناصر البناء الروائي، فتتنقل الأحداث بين المعادي والإسكندرية ومنطقة الحمراء في بيروت ودبي، لتمنح كل مدينة خصوصيتها، مستحضرة أجواءها وتفاصيلها، فيشعر القارئ أنه يعيش مع الشخصيات داخل هذه الأمكنة، لا أنه يقرأ أسماءها فحسب.
ومن بداية الإهداء المؤثر الذي وجهته الكاتبة إلى كل أم انتُزع منها حق الأمومة قسرًا، وإلى كل طفل كبر وهو يحمل في داخله أسئلة بلا إجابات، يدرك القارئ أنه أمام عمل يقترب من واقع اجتماعي مؤلم، ويعالج قضاياه بقدر كبير من الصدق والإنسانية.
ومن خلال لغة سلسة وحوار طبيعي، تطرح الرواية أسئلة عميقة حول العلاقات الإنسانية، وحدود التداخل بين القانون والبعد الأخلاقي، من دون أن تنحاز إلى إثارة المشاعر أو تقدم إجابات جاهزة، بل تدفع القارئ إلى التفكير وإعادة النظر في كثير من المسلمات.
ويُحسب لشيرين سيف الدين أنها استطاعت، بخبرتها الصحفية، أن تضفي على النص قدرًا كبيرًا من الواقعية، بينما منحت موهبتها الأدبية الشخصيات عمقًا إنسانيًا بعيدًا عن التنميط أو الأحكام المطلقة، فبدت جميعها أقرب إلى الإنسان الحقيقي بما يحمله من نقاط قوة وضعف، ومن صواب وخطأ.
إنها رواية تستحق القراءة، ليس لجمالها الأدبي فحسب، وإنما لما تحمله من رسالة إنسانية عميقة، تؤكد أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يثير الوعي، ويفتح باب الحوار حول قضايا تمس الإنسان والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *