29 يونيو، 2026
مقالات

المستشار أحمد سلام يكتب:  بناء الإنسان المصري بالتوازي مع بناء الجمهورية الجديدة

إذا كانت الخسائر المادية قابلة للتعويض، فإن الخسارة الأكبر تتمثل في تآكل منظومة القيم التي تجعل المواطن حارسًا على ممتلكات وطنه لا معتديًا عليها.
أثارت مشاهد تخريب بعض محتويات منطقة المشجعين (الفان زون) بالعاصمة الإدارية الجديدة، احتفالاً بفوز المنتخب المصري،استيائي الشخصي كما أثارت استياء قطاعات واسعة من المواطنين. والحقيقة أن ما حدث لم يكن مجرد تصرف فردي أو واقعة عابرة، بل جرس إنذار يدعونا إلى التوقف أمام ظاهرة تتكرر بين الحين والآخر، سواء في بعض المدارس والجامعات بعد انتهاء الامتحانات أو في بعض المناسبات الرياضية والاحتفالية، حيث يتحول الفرح لدى البعض إلى تكسير وتخريب للممتلكات العامة.
وأقول ذلك بصفتي مصريًا تجاوز الخامسة والستين من عمره، عاصر مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي في فترات مختلفة من تاريخ مصر. لم نكن جيلاً بلا أخطاء، ولم تكن حياتنا تخلو من المشاغبات أو الرغبة في الاحتفال، لكننا لم نعرف أن يكون تكسير المقاعد أو تحطيم الممتلكات العامة وسيلة للتعبير عن الفرح. فقد كانت الأسرة تؤدي دورها التربوي بجدية، وكانت المدرسة تُربي قبل أن تُعلّم، كما كانت المساجد والكنائس شريكًا أساسيًا في غرس قيم الانتماء والاحترام والمسؤولية.
وهنا من الضروري التمييز بين الرعاية والتربية، فالرعاية تعني توفير الاحتياجات المادية للأبناء من مأكل وملبس وتعليم وعلاج، أما التربية فهي غرس القيم وتشكيل الضمير وبناء الشخصية .
وقد ينجح بعض الآباء والأمهات في توفير أفضل مستويات الرعاية لأبنائهم، لكنهم بحكم ضغوط الحياة أو الانشغال قد لا يمنحونهم القدر نفسه من التوجيه والمتابعة والتقويم،والحقيقة أن المجتمعات لا تعاني من نقص في الرعاية بقدر ما تعاني أحيانًا فجوة في التربية.
ومع تراجع بعض الأدوار التربوية التقليدية، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، المصدر الرئيسي لتشكيل الوعي والسلوك لدى الأبناء. والخطورة هنا لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب البديل القيمي القادر على التوجيه والتوازن. كما لا يمكن تجاهل تأثير عوامل أخرى، من بينها ارتفاع معدلات التفكك الأسري والطلاق، فضلاً عن انشغال بعض المؤسسات التعليمية بأداء دورها الأكاديمي على حساب رسالتها التربوية والإنسانية.
ولذلك فإنني لا أرى أن المشكلة تكمن في الشباب أنفسهم بقدر ما تكمن في البيئة التي أسهمت في تشكيل وعيهم وسلوكهم. فالشباب بطبيعتهم طاقة وحيوية وقدرة على العطاء، لكن هذه الطاقة تحتاج إلى توجيه صحيح ورعاية واعية.
ومن هنا يمكن القول إننا أصبحنا في حاجة إلى ما يشبه “ضبط المصنع” لمنظومة بناء الإنسان المصري؛ مراجعة شاملة تعيد الاعتبار للقيم التي تربينا عليها، وتستعيد التوازن بين الرعاية والتربية، وبين التعليم والتنشئة، وبين الحرية والمسؤولية. فالمطلوب ليس إنتاج جيل جديد، وإنما إعادة تفعيل الأدوات التي صنعت أجيالاً عرفت قيمة الوطن، واحترمت القانون والممتلكات العامة، وأدركت أن الحفاظ عليها واجب لا يقل أهمية عن بنائها.
وأتذكر هنا جانبًا مهمًا من التجربة التربوية التي عاشها جيلي خلال السبعينيات والثمانينيات، حين كانت المعسكرات الشبابية والأنشطة الكشفية والرياضية والثقافية جزءًا أصيلًا من برامج صناعة الشخصية المصرية.
والحقيقة لم تكن تلك الأنشطة الطلابية مجرد وسيلة لشغل أوقات الفراغ، بل كانت مدرسة حقيقية لتعليم الانضباط والاعتماد على النفس والعمل الجماعي وخدمة المجتمع وتعميق الانتماء للوطن.
ولا تزال إحدى التجارب التي عشتها في المرحلة الثانوية راسخة في ذاكرتي حتى اليوم بل وأثرت في تكوين شخصيتي، حيث شاركت تحت رعاية مدرستي في المرحلة الثانوية ببرنامج لتنظيم المرور ، كنا نرتدي زياً مشابهاً لزي رجال المرور، ونقف في الشوارع للمساهمة في تنظيم حركة السير تحت إشراف المختصين،وربما بدت المهمة بسيطة في ظاهرها، لكنها تركت أثراً عميقاً في تكوين شخصياتنا،فقد تعلمنا معنى المسؤولية واحترام النظام والعمل من أجل الصالح العام، وشعرنا للمرة الأولى بأننا شركاء في خدمة المجتمع لا مجرد متفرجين عليه، لقد كانت مثل هذه المبادرات تصنع المواطن قبل أن تصنع الطالب.
وربما نكون اليوم في حاجة إلى استعادة هذه الروح وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات العصر، من خلال برامج للخدمة المجتمعية وأنشطة ميدانية ومعسكرات شبابية حديثة تتيح للشباب ممارسة المسؤولية على أرض الواقع، بدلاً من أن تقتصر مصادر تشكيل وعيهم وسلوكهم على الشاشات والهواتف المحمولة.
أما فيما يتعلق بالمحاسبة، فإن العقوبات التقليدية وحدها لم تعد كافية لمعالجة بعض السلوكيات السلبية. فالفصل من الدراسة أو الحرمان من بعض الأنشطة قد لا يحقق الهدف التربوي المنشود، والأجدى هنا هو تطبيق عقوبات إصلاحية تقوم على مبدأ “الجزاء من جنس العمل”، بحيث يشارك المخطئ في إصلاح ما أتلفه أو أداء خدمة مجتمعية تعود بالنفع على المجتمع وتغرس لديه الشعور بالمسؤولية،وقد أثبتت العديد من التجارب الدولية نجاح هذا النهج في تقويم السلوك وردع المخطئ دون أن تدفعه إلى مزيد من العزلة أو التمرد.
ويبقى السؤال الأهم: هل آن الأوان لإطلاق خطة وطنية شاملة، برعاية الدولة، تستهدف بناء الإنسان المصري بالتوازي مع بناء الجمهورية الجديدة؟
لقد نجحت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية في تنفيذ مشروعات تنموية وعمرانية ضخمة غيرت وجه البلاد، وأنشأت مدنًا جديدة وطرقًا ومحاور ومرافق حديثة نفتخر بها جميعًا،لكن المحافظة على هذه الإنجازات تتطلب استثمارًا مماثلًا في بناء المواطن، وغرس قيم الانتماء والمسؤولية واحترام القانون والملكية العامة.
أعتقد أنه حان الوقت لإطلاق مشروع وطني لإعادة “ضبط المصنع” لمنظومة بناء الشخصية المصرية، يشارك فيه التربويون وعلماء الاجتماع ورجال الدين والإعلاميون والمثقفون ومؤسسات الشباب والرياضة، بهدف إعداد أجيال قادرة على حماية ما يبنيه الوطن، لا مجرد الاستفادة منه.
فالجمهورية الجديدة ليست مباني حديثة فقط، بل مواطن جديد أيضًا..مواطن يدرك أن ما تبنيه الدولة هو ملك له ولأبنائه، وأن الاحتفال الحقيقي بالإنجاز لا يكون بتحطيمه، بل بالحفاظ عليه وتطويره.
فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، ولا تُحمى بالقوانين وحدها، وإنما تُبنى وتُحمى بالإنسان الذي أحسنت أسرته تربيته، وأحسن وطنه تأهيله، فعرف قيمة كل حجر فيه، تلك هي المعادلة الحقيقية لبناء الإنسان المصري بالتوازي مع بناء الجمهورية الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *