16 فبراير، 2026
مقالات

المستشار أحمد سلام يكتب: دِبلوماسيةُ الوَفَاءِ.. حِصَانُ بِكِينَ يَرْكُضُ لِيَسْتَقِرَّ فِي القَاهِرَةِ

” حين يتحول الخزف الصيني إلى رسالة وفاء عابرة للقارات، وتختصر هدايا الأصدقاء مسافات الغربة.. تأملات في عام الحصان الناري 2026 وكيف يرى الصينيون رفاقهم المصريين كـ (سفراء بلا سفارات)” .
من قلب بكين إلى رحاب القاهرة.. حطَّ “حصان الوفاء” القرمزي رحاله في منزلي؛ ضيفاً عزيزاً يحمل عبق التاريخ ودفء الصداقة. لم تكن مجرد زيارة عادية تلك التي قام بها صديق قادم من بكين؛ ففي جعبته كان يحمل ما هو أثمن بكثير من مجرد هدية تذكارية. سلمني يداً بيد طبقاً من الخزف الصيني الرفيع، يكتسي باللون الأحمر القرمزي المحفور عليه بحرفية بالغة حصان يركض نحو الأفق.
هذه اللفتة، التي جاءتني بمناسبة عيد الربيع الصيني من صديقة إعلامية مرموقة في الصين، أعادت إلى مخيلتي جملة قالها لي أحد الأصدقاء الصينيين حين التقينا في القاهرة بعد انتهاء مهمتي الرسمية: “أنت تستحق لقب سفير بلا سفارة”. وهي جملة بقدر ما أسعدتني، بقدر ما أكدت لي أن الدبلوماسية الحقيقية ليست بروتوكولات جافة، بل هي بذور ود نزرعها في القلوب لتثمر صداقات إنسانية لا تمحوها السنون ولا تبعدها المسافات.
لقد تزامن وصول هذا “الحصان القرمزي” مع احتفالات العالم ببدء عام 2026، وهو وفقاً للتقويم القمري الصيني “عام الحصان الناري”. وفي الثقافة الصينية، لا يمثل الحصان مجرد حيوان، بل هو رمز للشهامة والتقدم المتسارع، واقترانه بـ “النار” هذا العام يعكس طاقة استثنائية من التجدد والحيوية، وفقاً للثقافة الصينية. وفي تقديري الشخصي، فإن هذا الحصان يجسد بوضوح تلك القفزات الحضارية والتكنولوجية الهائلة التي تحققها الصين اليوم؛أمة ترفض التباطؤ وتمضي بقوة وثبات نحو آفاق المستقبل.
وخلال سنوات عملي في بكين، كنت أقف منبهراً أمام “كرنفال البهجة والسرور” المشحون بعلاقات أسرية متينة في عيد.الربيع ، وخلال فترة تواجدي بالصين اندهشت من قدرة هذا الشعب على إيقاف صخب التكنولوجيا ليمنح الأولوية القصوى لـ ‘لم شمل العائلة’، في ملحمة إنسانية سنوية يقطع فيها المئات من الملايين آلاف الأميال للعودة إلى الجذور، فيما يُعرف بأكبر زحف بشري سنوي في عدد سكان يقترب من مليار ومائة مليون انسان .
والان ما أبهرني حقاً هو هذا الوفاء للأصدقاء الذي لمسته اليوم؛ فرغم انشغال الصينيين بأهم أعيادهم، وجدت تلك الصديقة الوفية الوقت ليحمل لي رفيق دربها قطعة من “روح الصين” إلى منزلي في القاهرة.
واليوم، ونحن في فبراير 2026، نرى أن هذا الربيع الصيني قد أزهر أيضاً على ضفاف النيل. إن الاحتفالات التي تقيمها الجالية الصينية بالتعاون مع المحبين للشأن الصيني من خبراء ومتخصصين ودارسين مصريين، تحولت إلى جسر ثقافي متين يجمع بين حضارتين ضاربتين في عمق التاريخ. إن “حصان الخزف” الذي يزين منزلي الآن، هو تذكير بأن القوة الناعمة الحقيقية تبدأ بابتسامة وصداقة، وتنتهي بعالم يسوده السلام والمحبة رغم آلاف الأميال.
* مستشار إعلامي سابق بالسفارة المصرية في بكين
وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *