في الأول من يونيو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للوالدين، والذي اقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 تقديراً للدور العظيم الذي يقوم به الآباء والأمهات في تنشئة الأبناء وبناء المجتمعات.
وجاءت فكرة هذا اليوم انطلاقاً من تزايد اهتمام المجتمع الدولي منذ ثمانينيات القرن الماضي بقضايا الأسرة والطفولة، وإيماناً بأن الأسرة هي المدرسة والبيئة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان، وأن الوالدين يتحملان المسؤولية الأساسية في التنشئة والحماية والرعاية النفسية والاجتماعية للأطفال ، ومن داخل الاسرة تتشكل قيم الأجيال ومستقبل الأوطان.
وفي الحقيقة فإن هذا اليوم العالمي هو مناسبة لا يجب أن تقتصر على توجيه كلمات الشكر والعرفان للأب والأم، بل تدعونا إلى التوقف أمام المعنى الحقيقي للأسرة باعتبارها النواة الأولى للمجتمع، والحصن الذي تتشكل داخله شخصية الإنسان وقيمه وسلوكه وانتماؤه الوطني والإنساني.
فالأسرة السليمة لا تُبنى على الحقوق وحدها، بل على الواجبات أيضاً، والأبوة ليست مجرد إنفاق مادي، كما أن الأمومة ليست مجرد رعاية يومية، وإنما هي رسالة مشتركة قوامها الحب والتضحية والمسؤولية، فالأب القدوة هو الذي يمنح أبناءه الأمان والدعم والاحتواء قبل أن يمنحهم المال، والأم الناجحة هي التي تصنع جيلاً قادراً على مواجهة تحديات الحياة بالعلم والأخلاق والثقة بالنفس.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه للوالدين في يومهما العالمي هو التأكيد على أهمية الحفاظ على كيان الأسرة، ليس فقط من أجل الزوجين، وإنما من أجل الأبناء الذين يمثلون مستقبل الوطن وأمله. فالأسرة المستقرة تخرج مواطنين صالحين، بينما تدفع الخلافات والصراعات الممتدة ثمنها الأجيال الجديدة قبل غيرها.
ومع التطورات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، تواجه الأسرة المصرية تحديات متزايدة تستدعي وقفة جادة من الجميع، سواء من المؤسسات الرسمية أو من المجتمع المدني أو من الأسرة ذاتها. ومن هنا تأتي أهمية مشروع قانون الأسرة المصري المطروح مؤخراً أمام مجلس النواب، والذي يهدف إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن بين حقوق جميع الأطراف، مع وضع مصلحة الطفل في مقدمة الأولويات.
ولأن قانون الأسرة يمس حياة ملايين المواطنين بصورة مباشرة، فإنه من الضروري أن يحظى بأوسع حوار مجتمعي ممكن قبل إقراره بصورته النهائية. فمثل هذه التشريعات لا تتعلق فقط بالجوانب القانونية، بل تمتد آثارها إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والتربوية والدينية، وهو ما يستوجب الاستفادة من آراء وخبرات المتخصصين في شؤون الأسرة وعلم النفس وعلم الاجتماع، إلى جانب علماء الأزهر الشريف والخبراء القانونيين والقضاة وأساتذة الجامعات وكافة أصحاب الخبرة والتجربة العملية في هذا المجال. فالقانون الناجح هو الذي يستند إلى رؤية شاملة للواقع ويوازن بين الحقوق والواجبات، ويحافظ على تماسك الأسرة ويصون حقوق الأطفال، بعيداً عن أي رؤى أحادية أو معالجات جزئية.
إن أي تشريع جديد للأسرة يجب أن ينطلق من مبدأ أساسي لا خلاف عليه، وهو أن الأطفال ليسوا طرفاً في الخلافات الزوجية، فالانفصال بين الزوجين قد يكون نهاية لعلاقة زوجية، لكنه لا يمكن أن يكون نهاية لمسؤولية الأب أو الأم تجاه الأبناء، فالأب يبقى أباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والأم تبقى أماً بكل واجباتها وحقوقها، ولا يجوز أن يتحول الأطفال إلى ضحايا لصراعات الكبار أو وسيلة للضغط المتبادل بين الطرفين.
ومن أكثر القضايا إلحاحاً قضية نفقة الصغار، حيث تشكو كثير من الأمهات من صعوبة الحصول على حقوق أبنائهن أو من تأخر تنفيذ الأحكام، ويرى البعض من الآباء أن هناك أحياناً تعقيدات إجرائية أو منازعات قانونية تؤثر على سير التنفيذ، وفي جميع الأحوال فإن الخاسر الأكبر يظل الطفل الذي يحتاج إلى الغذاء والتعليم والرعاية الصحية والحياة الكريمة بعيداً عن أي خلافات.
كما أن الواقع يكشف أحياناً عن وجود أساليب للتحايل أو المماطلة في سداد النفقة المستحقة للصغار، وهو أمر يتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية قبل أن يتعارض مع القانون، فحق الطفل في النفقة ليس منحة من أحد، بل هو واجب أصيل لا يسقط بالطلاق ولا بالخلافات الشخصية، ومن ثم فإن مسؤولية الأب تجاه أبنائه لا تنتهي بانتهاء العلاقة الزوجية، بل تستمر رعايةً وإنفاقاً ومتابعةً وتوجيهاً، تماماً كما تظل الأم حاملةً لمسؤوليتها تجاه أبنائها مهما تغيرت الظروف.
وفي الوقت نفسه، فإن العدالة تقتضي أن تكون الحقوق والواجبات متوازنة بين جميع الأطراف، وأن يكون الهدف من التشريعات الأسرية هو تحقيق الاستقرار وحماية الأطفال، لا زيادة حدة النزاعات أو إطالة أمدها، فكلما نجح القانون في تعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة بين الأب والأم، اقترب المجتمع من تحقيق الغاية المنشودة في بناء أسرة مستقرة وآمنة.
وفي المقابل، فإن نجاح أي قانون لا يتوقف على نصوصه وحدها، بل على حسن تطبيقه وعدالة تنفيذه وسرعة إجراءاته، فالتشريعات مهما بلغت دقتها لا تحقق أهدافها إذا اصطدمت بالبيروقراطية أو بطول أمد التقاضي أو بوسائل التحايل التي تفرغ الأحكام من مضمونها. ولذلك فإن تطوير آليات تنفيذ الأحكام في ظل الثورة التكنولوجية والتحول الرقمي مما يساعد علي سرعة تنفييذ احكام النفقات، ولا شك أن رعاية الأطفال يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي إصلاح تشريعي حقيقي يهدف إلى حماية الأسرة وضمان حقوق الصغار، بما يحقق العدالة الناجزة ويحفظ كرامة جميع الأطراف.
إن الاحتفال باليوم العالمي للوالدين يجب أن يكون مناسبة لتجديد الوعي بأن الأسرة مسؤولية مشتركة، وأن الأبناء أمانة في أعناق الوالدين مهما كانت الظروف. فالمجتمعات القوية لا تُبنى بالطرق والجسور والمشروعات الاقتصادية فقط، وإنما تُبنى أولاً داخل البيوت المستقرة التي تخرج مواطنين صالحين قادرين على المشاركة في بناء الوطن.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن الأب والأم شريكان في صناعة المستقبل، وأن حقوق الأطفال يجب أن تظل فوق كل اعتبار، فقانون الأسرة ليس قانوناً للطلاق أو النفقة فحسب، بل هو قانون لبناء الإنسان وحماية المجتمع ، ومن ثم فإن صياغته مسؤولية وطنية تتطلب مشاركة جميع أصحاب الخبرة والرؤية من أجل تحقيق العدالة والاستقرار وصون مستقبل الأجيال القادمة.
فإذا نجحنا في حماية الأسرة، نكون قد حمينا المجتمع بأكمله، وإذا وفرنا للأطفال الرعاية والعدالة والاستقرار، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لمستقبل أكثر أمناً وإنسانية، وفي اليوم العالمي للوالدين، تبقى الرسالة الأبلغ: الأبناء أولاً.
…
*مستشار اعلامي سابق بالمجلس القومي لشئون الاعاقة.
دراسات عليا في علم الاجتماع

