في السابق، كانت المشاجرات والخلافات وحوادث الطرق، وحتى وقائع التحرش، تنتهي في الغالب بروايات متباينة، يروي كل طرف منها ما حدث من وجهة نظره، بينما يبحث الجميع عن شاهد عيان قد تخونه الذاكرة أو تربكه لحظة الموقف.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بشكل لافت، فلم يعد الشاهد الأول على كثير من الوقائع إنسانًا بالضرورة، بل أصبح هاتفًا محمولًا يوثّق ما يحدث بالصوت والصورة قبل أن تهدأ الانفعالات أو تتلاشى التفاصيل أصبح “الشاهد” الجديد في كثير من الوقائع مجرد جهاز صغير في الجيب .
لقد غير الموبايل سلوك المجتمع، فهناك من أصبح يتردد قبل ارتكاب خطأ، مدركًا أن كاميرا ما قد ترصده، وهناك من وجد في الهاتف وسيلة لحماية حقه أو إثبات واقعة تعرض لها.
ولعل قضايا البلطجة والتحرش تمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، فكم من واقعة كانت ستبقي مجهولة، لولا هاتف محمول وثقها ومنح المعتدي عليه دليلًا يصعب إنكاره، في الحقيقة أصبح رفع الهاتف في بعض المواقف عامل ردع يدفع البعض إلى إعادة التفكير قبل الإقدام على سلوك مشين.
ولاشك أن تأثير الموبايل لم يعد اجتماعيًا فقط، بل امتد في العديد من النظم القانونية حول العالم، حيث أصبحت التسجيلات المصورة عنصرًا مهمًا ضمن منظومة الأدلة في كشف الوقائع وتعزيز الحقوق وبالتوازي مع السعي إلى حماية الخصوصية ومنع إساءة استخدام التصوير أو تحويله إلى وسيلة للتشهير.
لكن الحقيقة أن الموبايل لم يعد وحده الشاهد على ما يحدث حولنا، فقد أصبحت كاميرات المراقبة جزءًا من حياتنا اليومية في الشوارع والمحلات التجارية والبنوك ووسائل النقل والمباني السكنية، وأصبح من الصعب أن تقع حادثة كبيرة دون أن تترك أثرًا رقميًا في مكان ما، مما جعل التكنولوجيا شريكًا أساسيًا في تعزيز الأمن وحماية الحقوق.
وقد لمست هذا التحول عن قرب خلال احدي الزيارات إلي الصين، وأتذكر أنه في عام 2008، أي قبل نحو ثمانية عشر عامًا ، عندما نسيت بعض متعلقاتي أثناء التسوق في أحد الاسواق التجارية ببكين، وعدت للسؤال عنها، لم يكن الحل بالبحث التقليدي، بل تم الاعتماد على كاميرات المراقبة لتتبع الحركة داخل السوق حتى تم الوصول إلى ما فقدته واستعادته، كانت تجربة بسيطة في ظاهرها، لكنها تركت لدي انطباعًا عميقًا في ذلك الوقت، ، حيث أن الكاميرا لم تكن مجرد أداة تسجيل، بل وسيلة لحفظ الحقوق وكشف الحقيقة واستعادة المفقود.
لم يعد الشاهد إنسانًا فقط، بل قد يكون هاتفًا محمولًا، أو كاميرا مراقبة، أو تسجيلًا رقميًا التقطته عدسة في لحظة عابرة، وأصبحت الحقيقة في كثير من الأحيان نتاج اجتماع هذه “العيون الإلكترونية”التي لا تنام ولا تنسي ولا تكذب ولا تتجمل.
وفي السنوات الأخيرة ، شهدنا في مصر تطورًا لافتًا في العلاقة بين المواطن والتكنولوجيا، حيث أصبحت الصور ومقاطع الفيديو المتداولة في بعض الأحيان بداية لكشف الحقيقة وتحرك الجهات المعنية، مما جعل كثير من المواطنين يتابعون ما تنشره صفحة وزارة الداخلية من وقائع موثقة وإجراءات سريعة تجاه بعض أساليب البلطجة أو غيره شغلت الرأي العام، وهو ما عزز فكرة أن الصورة قد تتحول إلى شاهد عيان يساعد في الوصول إلى الحقيقة.
ورغم ذلك، تبقى المفارقة الهامة وهي أن التكنولوجيا نفسها لا تحمل خيرًا أو شرًا مطلقاً، وإنما يحدد ذلك الإنسان وحده، فالهاتف الذي يوثق جريمة قد ينقذ مظلومًا ويكشف معتديًا، لكنه في نفس الوقت قد يتحول أيضًا إلى وسيلة لانتهاك الخصوصية أو التشهير أو البحث عن الانتشار على حساب الآخرين.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: عندما نشاهد حادثًا أو مشاجرة أو واقعة تحرش، هل تكون أولويتنا أن نمد يد العون، أم أن نرفع الهاتف ونقوم بتسجيل الواقعة ؟ هل يكون هدفنا البحث عن الحقيقة ومساعدة الآخرين،أم مجرد توثيق لحظة قد تتحول سريعًا إلى محتوى متداول، أو ما يُعرف اليوم بـ(ركوب التريند)؟!
لقد أصبح الموبايل شاهدًا لا ينام، والكاميرات ذاكرة لا تنسى، وقد جعلت هذه الثورة التكنولوجية المجتمع أكثر قدرة على كشف الحقيقة، لكنها في الوقت نفسه وضعت على عاتقنا مسؤولية أكبر في استخدامها بحكمة واحترام للقانون والإنسان.
قد يخشى البعض اليوم وجود كاميرا أكثر من وجود شاهد عيان، لأن الصورة لا تنسى، والفيديو لا يتراجع، والحقيقة التي تسجلها العدسات قد تصبح أقوى من آلاف الكلمات، وبين حماية المجتمع وصون الخصوصية، يبقى التحدي الحقيقي هو أن تظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان والعدالة، لا في خدمة الفضول أو التشهير.

