11 فبراير، 2026
البترول مقالات

المهندس كريم بدوي وزير البترول يكتب لـ«مجلة آفاق الطاقة» بالعدد السادس: استراتيجيات التحول الطاقي: طموحات.. مبادرات.. تحديات

في ظل التحديات المتتالية التي تواجه قطاع الطاقة على المستوى العالمي أصبح التحول في مجال الطاقة أولوية استراتيجية لا رفاهية، أولوية تفرضها ضرورات تأمين إمدادات الطاقة للدول وشعوبها، ومن هنا يجب أن تكون سياسات الطاقة قادرة بشكل حقيقي على التعامل مع ما يُعرف باسم “المعُضلة الثلاثية _ Energy trilemma” التي تُواجه قطاع الطاقة على مستوى العالم، والمتمثلة في: كيف يُمكن أن نُوفر طاقة آمنة، وموثوقة لا تنقطع؟، وأن تبقى تكلفتها مناسبة في متناول الجميع؟، وكيف نُحقق ما سبق دون الإخلال بواجباتنا في الوقت الحاضر مع الحفاظ على بيئة مستدامة للأجيال القادمة، والوفاء بالالتزامات المناخية الدولية؟
في ظل التحديات المتتالية التي تواجه قطاع الطاقة على المستوى العالمي أصبح التحول في مجال الطاقة أولوية استراتيجية لا رفاهية، أولوية تفرضها ضرورات تأمين إمدادات الطاقة للدول وشعوبها، ومن هنا يجب أن تكون سياسات الطاقة قادرة بشكل حقيقي على التعامل مع ما يُعرف باسم “المعُضلة الثلاثية _ Energy trilemma” التي تُواجه قطاع الطاقة على مستوى العالم، والمتمثلة في: كيف يُمكن أن نُوفر طاقة آمنة، وموثوقة لا تنقطع؟، وأن تبقى تكلفتها مناسبة في متناول الجميع؟، وكيف نُحقق ما سبق دون الإخلال بواجباتنا في الوقت الحاضر مع الحفاظ على بيئة مستدامة للأجيال القادمة، والوفاء بالالتزامات المناخية الدولية؟

خارطة طريق لدعم أهداف التحول في مجال الطاقة
مع تولي الحكومة الحالية بجمهورية مصر العربية، ومنحها الأولوية الكبيرة لملف الطاقة بمختلف جوانبه بقيادة معالي رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، كان لا بد من وضع خارطة طريق لدعم أمن الطاقة، والتحول التدريجي في القطاع، لذا شرعت وزارة البترول والثروة المعدنية في إطلاق وتنفيذ استراتيجية عمل جديدة لتعزيز القدرة على تحقيق تلك المعادلة الضرورية في قطاع الطاقة. والتي تتألف من ستة محاور رئيسة يأتي في مقدمتها: تكثيف أعمال الاستكشاف البترولي، والإنتاج لزيادة قدراتنا الإنتاجية بما يُمكننا من تلبية احتياجات المواطنين المرتبطة بإمدادات الوقود بأقل تكلفة، وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية في مجال تكرير البترول، وإنتاج البتروكيماويات لأقصى طاقة ممكنة، وفي هذا المحور تبرز أهمية مشروعات الهيدروجين الأخضر، والوقود الأخضر والمستدام التي تواصل الوزارة العمل عليها في إطار تعزيز إجراءات انتقال الطاقة، ودعم الاحتياجات الأساسية للوقود. ثم يأتي محور تطوير قطاع التعدين لرفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وأعتقد أنه بات معلومًا للجميع أهمية قطاع التعدين للتحول في قطاع الطاقة؛ لما يُوفره من معادن حيوية تدخل في صناعة الطاقة الشمسية والمتجددة.
واتصالًا بما سبق، في القلب من هذه الاستراتيجية يأتي المحور الرابع ليدعم التوسع في استخدامات الطاقة المتجددة، في إطار عمل تكاملي مستمر مع زميلي الدكتور “محمود عصمت” وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، للوصول بنسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة المصري إلى 42% بحلول عام 2030. ومع دمج الطاقة المتجددة بشكل أكبر في قطاع الطاقة سنتمكن من خفض الاعتماد على الوقود التقليدي في توليد الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي، وتوجيهه نحو الاستخدامات الصناعية ذات القيمة المضافة، وهو ما يُسهم في تقليل فاتورة الاستيراد، وخفض الانبعاثات من قطاع الطاقة، بما يتفق ورؤية الدولة المصرية للتنمية المستدامة.
ولأن تحقيق المحاور الأربعة السابقة لا يكتمل دون ركيزة أساسية، جاء المحور الخامس، ليتناول السلامة، وكفاءة الطاقة، وخفض الانبعاثات، وهو محور متعدد الأولويات؛ إذ يبدأ بسلامة العاملين، لأن أهم ما نحرص عليه هو أن يعود كل عامل إلى أسرته سالمًا، ثم ننتقل إلى هدف لا يقل أهمية عن السابق، وهو رفع كفاءة استخدام الطاقة، وتقليل الانبعاثات الكربونية في أنشطة البترول والغاز، وهما مصدران سيظلان حاضرين لعقود مُقبلة، لكن وفق أساليب مستدامة. وفي المحور السادس من استراتيجية العمل، نواصل تعزيز التكامل الإقليمي باعتباره ركيزة أساسية للتحول الطاقي.
إن التحول في مجال الطاقة لا يعني التخلي عن المصادر التقليدية، بل انتهاج أساليب لإنتاجها، واستهلاكها بصورة أكثر كفاءة، واستدامة بيئية، فكفاءة استخدام الطاقة باتت فرصة ذهبية لتحقيق تحول تدريجي وآمن، وقد اتخذت وزارة البترول العديد من الخطوات لتحسين كفاءة الطاقة، فعلى المستوى الاستراتيجي؛ تم إصدار استراتيجية كفاءة الطاقة لقطاع البترول، وعلى المستوى التنفيذي؛ تم تنفيذ نحو 358 مشروعًا وإجراءً لتحسين كفاءة الطاقة بالعمليات الإنتاجية، مما أسفر عن تحقيق وفر يصل إلى 138 مليون دولار أمريكي. كما أننا قد بدأنا التعاون مع المملكة العربية السعودية لإعداد برنامج وطني لكفاءة استخدام الطاقة في مصر، ليكون نموذجًا في إدارة الطاقة المستدامة.
ومن هذا المنطلق، يتم تعزيز سُبل التعاون مع كافة شركائنا من جهات حكومية، ومؤسسات عالمية، وشركات من القطاع الخاص لدعم جهود، وأنشطة الوزارة في مجال التحول الطاقي.

مشروعات إنتاج الهيدروجين والوقود الأخضر
في ظل التوجه العالمي المتسارع نحو حلول الطاقة النظيفة، تُولي الدولة المصرية، ووزارة البترول والثروة المعدنية اهتمامًا بالغًا بملف الهيدروجين كأحد الركائز الرئيسة للتحول الطاقي، وخفض الكربون.
ففي أغسطس 2024، تم الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون، والتي شاركت وزارة البترول والثروة المعدنية في إعدادها واضعة نُصب أعينها رؤية طموحة لأن تُصبح مصر من الدول الرائدة في هذا المجال الواعد. إن هذه الاستراتيجية لا تقتصر فقط على البُعد البيئي، بل تحمل في طياتها فرصًا اقتصادية واعدة، من بينها توفير أكثر من 100 ألف فرصة عمل، وتعزيز توطين صناعة مكونات إنتاج الهيدروجين، وتأمين مصادر جديدة ومستدامة للطاقة في مصر.
وفي إطار دعم مناخ الاستثمار، شاركت وزارة البترول أيضًا في إعداد مشروع قانون يُحفز إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، عبر حزِمة من التيسيرات؛ من بينها حوافز نقدية، وإعفاءات ضريبية، ومزايا الحصول على الموافقة الموحدة (الرخصة الذهبية) لتيسير الإجراءات. هذا وقد شاركت الوزارة أيضًا في تقديم المقترح المتضمن إنشاء “المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر ومشتقاته”، الذي أُنشئ بالفعل برئاسة السيد الدكتور رئيس مجلس الوزراء، وبعضوية عدد من الوزراء المعنيين، ليقود التنسيق على أعلى مستوى لدفع هذا الملف إلى الأمام.

نتائج عملية
وترجمة لهذه الجهود في قطاع البترول عمليًّا، يبرز مشروع “دمياط للأمونيا الخضراء” كأحد النماذج الرائدة، فمن خلال شراكة بين الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات، وسكاتك النرويجية، وموبكو، يُجرى تنفيذ المشروع لإنتاج 150 ألف طن سنويًّا من الأمونيا الخضراء، باستثمارات تُقارب 910 ملايين دولار أمريكي. وخلال زيارة فخامة رئيس الجمهورية إلى النرويج ديسمبر الماضي، تم توقيع اتفاقية المبادئ مع شركة “يارا” لتسويق الإنتاج بالكامل، وهو ما يمثل ضمانة قوية لنجاح المشروع.
كما تُنفذ الوزارة من خلال الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات أول مشروع لإنتاج وقود الطائرات المستدام من زيت الطعام المستعمل، ومشروع إنتاج الإيثانول الحيوي.

تحديات التحول في مجال الطاقة
تُدرك الوزارة رغم الجهود الطموحة المبذولة التحديات العالمية المرتبطة بانتقال الطاقة، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف الإنتاج لمشروعات الوقود الأخضر، لا سيما الهيدروجين الأخضر، وتكاليف إنشاء البنية التحتية، وشبكات نقله وتخزينه، مما يتطلب البدء في تطويرها بتكاليف كبيرة على دولنا النامية.
فضلًا عن غياب أسواق منظمة للهيدروجين الأخضر ومشتقاته، والحل يكمن في ضمان وجود مشترين، وتوقيع اتفاقيات شراء مُسبقة، إلى جانب دعم مُباشر من الدول المتقدمة، كونها الأكثر طلبًا حاليًا للهيدروجين الأخضر ومشتقاته.
ومن هذا المنطلق، تمضي وزارة البترول والثروة المعدنية بخُطى ثابتة لتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين سواء في تأمين عقود شراء، وتبادل الخبرات، وأفضل الممارسات، بما يدعم تنفيذ مشروعات فعلية تضع مصر في مكانة إقليمية كمركز لتداول الهيدروجين الأخضر ومشتقاته.
ورغم التوسع العالمي في آليات التمويل الأخضر، وتزايد مبادرات الدعم الموجهة لمشروعات الطاقة المستدامة، فإن التحدي لا يزال قائمًا أمام العديد من الدول النامية للنفاذ إلى مصادر التمويل الميسر لتنفيذ المشروعات في هذا المجال، فتوفير التمويل الأخضر يتطلب مرونة، وإتاحة تمويل منخفض التكلفة للقارة الإفريقية، بالتوازي مع إتاحة الدعم التكنولوجي، وتوطين للصناعة، وبناء القدرات، وهو ما تُنادي به مصر في المحافل الدولية.

نهج واقعي وعادل لانتقال الطاقة
في ظل الدعوات المتزايدة للإسراع بتحول الطاقة، نؤكد مجددًا على أهمية هذا التوجه وأولويته، لكننا نُشدد في الوقت نفسه على ضرورة تبني نهج واقعي، وعادل، يأخذ في الاعتبار خصوصية أوضاع الدول النامية، واحتياجاتها التنموية. فتحول الطاقة لا يُمكن أن يكون بمعزل عن ضمان حق الشعوب في الحصول على طاقة آمنة ونظيفة، إلى جانب توفير تمويل مُيسر يضمن تنفيذ مشروعات التحول الطاقي دون تحميل هذه الدول أعباء إضافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *