6 مارس، 2026
البترول مقالات

دكتور محمد بسيوني يكتب: ظلام المقاهي.. صومٌ في النور وعربدةٌ صامتة في ظلام المقاهي

هل صمنا عن الطعام نهاراً لِنفترس أرواحنا في خواء الليل؟ هكذا تبدو الحقيقة العارية التي نتستر عليها خلف قناع “التقاليد”؛ شهرٌ أُعدَّ ليُهذب النفس وينتزعها من طين المادة، حولناه ببراعة مجتمعية قاسية إلى “سيرك” استهلاكي صاخب، حيث تُذبح الساعات الثمينة على مذبح طاولة النرد، وتُخنق النفحات الروحانية في سحب دخان “الشيشة” الكثيفة التي تعمي البصائر قبل الأبصار. إنها الصفعة التي نتجاهلها كل ليلة: نحن لا نعتكف في المحاريب، بل نعتكف على كراسي الأرصفة، نقتل الوقت الذي هو في الحقيقة “نحن”.
تأمل هذا العبث الواقعي الصادم: أجساد متراصة تفصل بينها سنتيمترات، لكن بين أرواحها مجرات من العزلة. ضجيج المسلسلات التافهة يمتزج بصياح اللاعبين المقهورين من “هزيمة كوتشينة”، ونميمة تلوك أعراض الغائبين لتعوض جوع المعدة بنهش القلوب. لقد استبدلنا السكينة بالصخب، والتأمل في ملكوت الله بالتحديق المتبلد في شاشات الهواتف وسط دخان “المعسل” المسموم. نحن نعيش حالة “خيانة كبرى”؛ نلبس ثوب الطهر نهاراً، وفي الليل نمارس عربدة صامتة في ظلام المقاهي، حيث نبيع جوهرنا الثمين بثمن بخس من “انبساط” زائف ينتهي مع آخر نَفَس من الشيشة، لنتحول إلى محض هياكل بشرية تُدمن الهروب من ذاتها.
إن التوبة الروحية تبدأ بكسر قيد “القطيع” والهروب من سجن الضجيج إلى حرية الصمت. العودة تبدأ حين تدرك أن كل “حجر” يحترق هو قطعة من عمرك تذروها الرياح، وأن هذا الزحام ليس إلا محاولة بائسة للهروب من مواجهة نفسك الخاوية. اخرج من زنزانة الدخان قبل أن يدركك الفجر الأخير بجسد أرهقه الجوع وروح لم تذق طعم الصيام أبداً. فهل ستمتلك الشجاعة لتهجر “مقهى العبث” وتستقبل نور ليلتك، أم أنك اخترت أن تظل سجيناً يبيع خلوده بلحظة تافهة من النسيان، وتموت عطشاً في شهرٍ مبعثه النور؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *