لم تكن مصر حين كانت تُرسل كسوة الكعبة ترى أنها تمنح شرفاً لأحد.. ولم تكن وهي تُقيم التكية في الأراضي المقدسة تعتبر نفسها صاحبة فضل على بشر..
الأمر كان أكبر من ذلك بكثير…
كانت ترى أن خدمة الحجيج واجب، وأن إطعام الجائعين قرب بيت الله مسؤولية، وأن الكعبة ليست ملكاً لأرض ولا لعرق ولا لراية، بل قبلة لأمة كاملة، ومن استطاع أن يخدمها فليفعل دون منٍّ أو انتظار مقابل.
لهذا كانت القوافل تخرج كل عام محملة بالخير كما يخرج النيل في موسم الفيضان…
بطبيعتها…
دون ضجيج…
دون أن تقف مصر يوماً لتقول: انظروا ماذا نفعل.
في مكة والمدينة كانت التكية المصرية تفتح أبوابها للفقراء والحجاج وعابري السبيل، لا تسأل من أين أتى هذا ولا لأي أرض ينتمي ذاك.
كانت القدور تُشعل كل يوم، والخبز يُوزع، والماء يُسقى، والناس تأكل من خير جاء من القاهرة دون أن يُطلب منهم ثمن أو ولاء أو حتى كلمة شكر.
وفي الأزقة القديمة كانت الأيدي تنسج كسوة الكعبة كما لو أنها تنسج قطعة من الروح نفسها.
خيوط من حرير وذهب تتحرك فوقها أنامل تعرف جيداً أنها لا تصنع مجرد ثوب… بل تصنع ما سيُلامس أقدس مكان على وجه الأرض.
ثم يخرج المحمل…
موكب مهيب تتحرك فيه القلوب قبل الأقدام.
الناس تبكي، والأطفال يركضون خلف الجمال المزينة، والدعوات ترتفع مع الكسوة وهي تغادر القاهرة إلى البحر، ثم إلى الأراضي المقدسة، وكأن مصر كلها كانت تسافر مع ذلك الثوب.
ولسنوات طويلة استمرت الرحلة…
حتى جاء اليوم الذي أُحيطت فيه الباخرة المصرية التي تحمل الكسوة بالجنود، ومُنعت من إكمال طريقها، وأُجبرت على العودة إلى القاهرة قبل أن تُسلم ثوب الكعبة الذي اعتادت مصر أن ترسله منذ قرون.
لم يكن المشهد مجرد خلاف سياسي عابر…
بل كان إعلاناً بأن زمناً كاملاً يُراد له أن ينتهي، وأن كل ما يربط ذاكرة الحرمين بالدور المصري يجب أن يتراجع خطوة بعد أخرى.
ومن يومها توقفت الكسوة القادمة من القاهرة.
وتوقفت رحلة المحمل.
وانطفأ واحد من أقدم المشاهد الروحية التي عرفها العالم الإسلامي.
ثم جاء الدور على التكية المصرية…
قيل إن التوسعات الحديثة للحرم استدعت هدمها، وربما كان ذلك صحيحاً في ظاهره، لكن السؤال الذي بقي بلا إجابة:
إذا كانت التكية مجرد مبنى أزالته التوسعة… فلماذا لم يُخصص لها مكان جديد كما يحدث مع كثير من المعالم ذات القيمة التاريخية والدينية؟
ولماذا اختفى كل أثر لها وكأن المطلوب لم يكن إزالة الجدران فقط… بل إزالة الحكاية نفسها؟
الحقيقة المؤلمة أن بعض الأشياء لا تُحارب لأنها سيئة…
بل لأنها تذكّر الناس كثيراً بمن كان موجوداً قبلهم.
كانت التكية تذكيراً دائماً بأن هناك دولة ظلت لعقود تُطعم الحجيج حين لم يكن غيرها قادراً على حمل هذا العبء.
وكانت الكسوة تذكيراً بأن الكعبة نفسها ظل ثوبها يخرج من القاهرة قروناً طويلة، لأن غيرها لم يكن يملك الإمكانيات ولا القدرة ولا الحرفة التي تليق ببيت الله.
ولهذا لم يكن المطلوب فقط إنهاء الدور…
بل طمس الذاكرة التي ترويه.
فحين تعجز بعض الأمم عن صناعة تاريخ يضاهي ما صنعه غيرها، تحاول أحياناً أن تمحو الشواهد التي تذكّر الناس بذلك التاريخ.
ومع ذلك…
لا يمكن هدم ذاكرة أمة بالجرافات، ولا يمكن إغراق الحكايات في البحر، ولا يمكن أن يعود المحمل إلى القاهرة مهزوماً بينما ينسى الناس من الذي حمل الكسوة لقرون، ومن الذي أطعم الحجيج حين كان الطريق إلى مكة قاسياً والجوع يفتك بالغرباء.
سيبقى التاريخ يقول الحقيقة مهما حاول البعض دفنها:
أن مصر لم تكن تبحث عن سيادة على أحد…
بل كانت تقوم بدور رأت أنه واجب عليها تجاه أمة كاملة.
لكن البعض لم يحتمل أن تبقى تلك الحقيقة حية أمام أعين الناس…
فحاول أن يدفن التكية…
ويوقف المحمل…
ويُسكت الحكاية.
غير أن الحكايات العظيمة لا تموت بل ستظل رغم انف من لا حكاية له ولا تاريخ …..

