بينما تترقب العاصمة الصينية بكين في الرابع عشر والخامس عشر من مايو الجاري لقاء القمة المرتقب بين الزعيمين الصيني والأمريكي، تتجه بوصلة المصالح العربية نحو هذا “الاشتباك الدبلوماسي” لا كطرف مراقب، بل كشريك استراتيجي يدرك أن ما سيتم الاتفاق عليه في غرف التفاوض المغلقة سيشكل بالضرورة ملامح “القمة العربية الصينية الثانية” المقرر عقدها ببكين في وقت لاحق من هذا العام.
لا شك أننا اليوم أمام مشهد جيوسياسي جديد، حيث تلتقي “الحكمة الشرقية” مع “الإرادة العربية المتجددة” لإعادة رسم توازنات القوة في منطقة أرهقتها الصراعات، وباتت تبحث عن “ظهير تنموي” يضع الاستقرار والسيادة الوطنية فوق أي اعتبار.
وفي ظل الظروف العالمية المعقدة وصراعات الشرق الأوسط ، فإن المصلحة العربية.. يجب أن تكون هي بوصلة التحرك ، لذلك لا يجب أن تكون القمة العربية الصينية مجرد لقاء بروتوكولي، بل يجب أن تكون “فعل استراتيجي” يهدف إلى انتزاع هوامش مناورة أوسع للعرب في ظل عالم متعدد الأقطاب، والمصلحة العربية هنا تتجاوز لغة “النفط مقابل السلع” إلى “الشراكة البنيوية”؛ حيث تبرز بكين كـ “ضامن استقرار” ووسيط سياسي مقبول نجح في اختبارات صعبة، بدءًا من المصالحة التاريخية بين الرياض وطهران، وصولاً إلى دورها المتوازن في دعم الحقوق الفلسطينية والمساهمة في تصورات “ما بعد الحرب” لإعادة الإعمار في غزة والسودان.
وإذا أردنا قراءة واقعية لعمق هذه الشراكة الصينية العربية ، فإن التجربة المصرية مع الصين تقدم النموذج الأمثل للتكامل الاقتصادي؛ فوفقاً لبيانات الربع الأول من عام 2026، نجحت مصر في استقطاب استثمارات صينية جديدة ناهزت مليار دولار، مدعومة ببيئة أعمال تضم أكثر من 3100 شركة صينية تعمل بفعالية في السوق المصرية.
ومع هذا الزخم، يتجه إجمالي الاستثمارات الصينية التراكمية لكسر حاجز 15 مليار دولار بنهاية العام الجاري، مما يرسخ مكانة مصر كـ “قلب نابض” لمبادرة “الحزام والطريق” في المنطقة.
من الاستهلاك إلى التصنيع الثقيل
تتجسد قيمة الشراكة المصرية الصينية في توجهها نحو مشروعات “نوعية” تتجاوز النمط الاستهلاكي لتستهدف التصنيع الثقيل ونقل التكنولوجيا، ويبرز هنا مشروعان كأعمدة لهذه المرحلة: مجمع الألومنيوم العملاق: بمنطقة شرق بورسعيد، وهو مشروع ضخم باستثمارات تصل إلى ملياري دولار (المعلن عنه في أبريل 2026).
والمدن النسيجية المتكاملة: المخطط الجاري لإنشاء مدينتين للصناعات النسيجية في محافظتي الفيوم والمنيا باستثمارات تقدر بـ 4 مليارات دولار.
والحقيقة أن هذه المشروعات لا تعزز القدرة التصنيعية المحلية فحسب، بل تحول مصر رسمياً إلى مركز تصديري عالمي ومحطة رئيسية ضمن سلاسل التوريد الصينية الموجهة للأسواق الأوروبية والأفريقية.
السيادة الرقمية في قلب العاصفة التقنية
بينما ينشغل العالم بمراقبة ميزان القوى في قمة “مايو” بين واشنطن وبكين، يبرز خلف الأفق سؤال السيادة الرقمية كأحد أعقد ملفات العصر ، حيث إن الارتباط بين قمة (ترامب – شي) وما ستسفر عنه القمة العربية /الصينية يكمن في فك شفرة “الاستقلال التقني”؛ ففي ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة والقيود على الرقائق المتطورة، يجد العرب في الصين شريكاً يوفر “بنية تحتية سيادية”؛ من تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة الدفع الرقمي والعملات المشتركة، مما يمنح القرار العربي استقلالية بعيداً عن سياسات المشروطية الغربية، فالمصلحة العربية تقتضي أن نكون في قلب “طريق الحرير الرقمي”، ليس فقط كمستهلكين، بل كمركز إقليمي لتوطين المعرفة.
خلاصة القول، تبرز قمة بكين 2026 كمنعطفٍ تاريخي يعكس نضج الرؤية العربية في تنويع الشراكات والتحالفات الدولية؛ فهي شراكة مصالح حيوية تتجاوز حدود الوعود إلى سياسات ومشروعات ملموسة. ولعل مبادرة “الإعفاء الجمركي الكامل” للصادرات القادمة من عدد من الدول العربية والإفريقية تمثل برهانًا عمليًا على نموذج “الربح للجميع” الذي تتبناه بكين. إنها معادلة جديدة تدرك فيها الصين أن استقرار الشرق الأوسط وازدهاره يمثلان ركيزة أساسية لاستمرار نهضتها الاقتصادية، بينما يوقن العرب أن التوجه شرقًا لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأمن القومي، وتعزيز التنمية، والمساهمة في صياغة نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.
..
أحمد سلام عضو المجلس المصري للشئون الخارجية
باحث متخصص في الشأن الصيني

