26 يوليو، 2026
مقالات

أحمد شادي يكتب: فرق توقيت

نعتقد في كثير من الأحيان أن المشكلة تكمن في الأشخاص، أو في الظروف، أو حتى في قلة الحظ، بينما الحقيقة قد تكون أبسط من ذلك بكثير… إنها فرق التوقيت.
فرق التوقيت ليس مجرد اختلاف بين ساعة وأخرى أو بين بلد وآخر، بل هو اختلاف في النضج، وفي الأولويات، وفي الاستعداد، وفي فهم قيمة اللحظة. فقد يلتقي شخصان يحملان كل مقومات النجاح في العلاقة، لكن أحدهما يأتي مبكرًا قبل أن يتعلم معنى المسؤولية، ويأتي الآخر متأخرًا بعدما أنهكته التجارب، فيضيع اللقاء رغم صدق المشاعر.
كم من أبٍ أحب أبناءه، لكنه انشغل عنهم في الوقت الذي كانوا يحتاجون فيه إلى حضنه أكثر من حاجتهم إلى المال، وعندما تفرغ لهم كان الوقت قد سبق الجميع. وكم من أمٍ حاولت أن تعوض أبناءها بعد سنوات، لكنها اكتشفت أن الطفولة لا تعود، وأن بعض اللحظات لا يمكن استعادتها مهما كانت النوايا صادقة.
وفي حياتنا اليومية، نخسر أصدقاء لأننا تأخرنا في الاعتذار، ونخسر فرصًا لأننا خفنا من الخطوة الأولى، ونخسر أحلامًا لأننا انتظرنا الظروف المثالية، بينما النجاح لا ينتظر أحدًا.
حتى الكلمات لها توقيتها. قد تكون الكلمة نفسها سببًا في إنقاذ إنسان إذا قيلت في وقتها، وقد تصبح بلا قيمة إذا جاءت بعد فوات الأوان. والاعتذار الذي يأتي في لحظته يداوي القلوب، أما إذا تأخر فقد لا يجد قلبًا ينتظره.
فرق التوقيت يعلمنا أن الحياة ليست سباقًا مع الآخرين، وإنما رحلة لكل إنسان فيها ساعته الخاصة. ليس من الحكمة أن نقارن بداياتنا بنهايات غيرنا، ولا أن نقيس أعمار الإنجاز بالسنوات، فلكل إنسان قصة مختلفة، وقدر مختلف، ووقت مختلف.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾
[سورة الأحزاب: 38]
وفي الإنجيل ورد: “لكل شيءٍ زمان، ولكل أمرٍ تحت السماء وقت.”
(سفر الجامعة 3:1)
هاتان الآيتان، رغم اختلاف مصدرهما، تلتقيان في معنى واحد؛ أن للحياة مواعيد لا يدركها الإنسان دائمًا، وأن الحكمة ليست في استعجال الأحداث، بل في الاستعداد لها عندما يحين وقتها.
ومن منظور التنمية البشرية، فإن النجاح الحقيقي لا يعتمد فقط على امتلاك المهارة أو المعرفة، بل يعتمد أيضًا على الوعي بالتوقيت. فالقائد الناجح يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يقرر ومتى ينتظر، والأب الواعي يعرف متى يحتوي ومتى يوجه، والشريك الناضج يعرف متى يقترب ومتى يمنح مساحة للطرف الآخر. أما الإنسان الذي يفهم قيمة التوقيت، فإنه لا يعيش أسير الندم على الماضي ولا القلق من المستقبل، بل يستثمر لحظته الحالية ليصنع غده.
في النهاية، ليست كل علاقة فشلت لأنها كانت علاقة سيئة، وليست كل فرصة ضاعت لأنها كانت مستحيلة، وليست كل أمنية تأخرت لأنها لن تتحقق. أحيانًا تكون الحياة فقط قد قالت لنا: “ليس الآن.”
وحين نفهم أن لكل إنسان توقيته، ولكل حلم موعده، ولكل نجاح ساعة ميلاده، سنتوقف عن مقارنة أنفسنا بالآخرين، وسنتعلم أن نعيش أيامنا بطمأنينة، وأن نؤمن بأن ما كُتب لنا سيأتي في وقته المناسب.
لأن أعظم خسائر الحياة ليست أن نتأخر عن الوصول… بل أن نتأخر عن إدراك قيمة الوقت وهو بين أيدينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *