1 يوليو، 2026
أخبار مصر

أزمة هرمز تعيد مشاريع أنابيب النفط والغاز عبر سوريا إلى الواجهة

 سوريا تبرز كمنطقة ترانزيت للنفط العراقي والكويتي، وغاز قطر وشرق المتوسط

كتب: أحمد النديم

عادت مشاريع أنابيب النفط والغاز العربية المتجهة إلى البحر المتوسط أو أوروبا عبر سوريا إلى الواجهة، بدفعٍ من أزمة مضيق هرمز التي شلّت الملاحة أشهراً، والتي سبقها تحوّل استراتيجي في الشرق الأوسط بعد سقوط نظام بشار الأسد.

فلأكثر من ثلاثة عقود، اصطدم أي حديث عن خط أنابيب يربط الخليج بالمتوسط أو بأوروبا بعقبة واحدة: سوريا، حيث كان حافظ الأسد وابنه بشار قد تموضعا سياسياً مع إيران، وفي كثير من الأحيان على طرف نقيض من دول الخليج العربية.

تغيَّرت المعادلة في دمشق في ديسمبر 2024، حين انهار نظام بشار الأسد. ومنذ ذلك الحين تسعى السلطات السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع بنشاط لاستقطاب استثمارات دول الخليج، بالتوازي مع تطوير العلاقات الاقتصادية القائمة مع تركيا، وهي نقطة عبور للغاز الروسي والأذربيجاني إلى أوروبا، والمرتبطة بشبكة الأنابيب الأوروبية.

وقد صرّح وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار في ديسمبر 2024، بعد أيام فقط من سقوط الأسد، بأن مشروع خط أنابيب الغاز بين قطر وتركيا عبر سوريا يمكن إحياؤه من جديد.

 

الالتفاف غرباً على هرمز

ثم جاءت أزمة مضيق هرمز لتعيد الاعتبار لمشاريع الأنابيب التي تلتف على الممر المائي، كتلك التي بنتها السعودية والإمارات وساهمت في التخفيف من حدة الصدمة الناجمة عن توقف عبور السفن عبر المضيق، ومنها ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال، ما حجب عن السوق العالمية خُمس إمداداتها من البترول.

أضر إغلاق المضيق باقتصادات الدول المصدرة للنفط في الخليج، ومنها العراق الذي يعتمد على صادرات النفط لتمويل أكثر من 90% من الموازنة العامة. فأعادت الأزمة اهتمام بغداد بأنبوب نفط كان ينقل النفط العراقي إلى الأسواق العالمية عبر ميناء بانياس السوري، سبق أن أغلقه حافظ الأسد في الثمانينات دعماً لإيران في حربها مع العراق.

وأفاد بيان صادر يوم 29 يونيو عقب لقاء وزيري خارجية البلدين في دمشق، أنهما بحثا ملف نقل وعبور إمدادات الطاقة، ومشروع إعادة تأهيل أنابيب نقل النفط من العراق إلى سوريا، وهي شبكة لها فرع يمتد إلى مصفاة طرابلس شمال لبنان.

وأتى باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجيز”، وهي من أكثر شركات النفط العالمية نشاطاً في الشرق الأوسط، على ذكر أهمية إعادة تأهيل هذه الأنابيب، وذلك في سياق سابقة تاريخية تخص مجموعته، مشيراً إلى أن الشبكة أتاحت نقل النفط الذي اكتشفته الشركة في العراق عام 1928 إلى ساحل المتوسط لتغذية المصافي في جنوب فرنسا.

وقال في مؤتمر للطاقة عُقد في باريس يوم الثلاثاء 23 يونيو : “إذا كان أسلافنا قد فعلوها قبل مئة عام، فأعتقد أننا قادرون على فعلها مجدداً اليوم”.

وكانت مسألة المسارات البديلة التي تلتف على هرمز قد ارتقت إلى مستوى التداول السياسي الرفيع يوم 15 يونيو 2026، مع انعقاد قمة “مجموعة السبع” في مدينة إيفيان ليه بان جنوب شرقي فرنسا.

فقد أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مقابلة مع القناة الفرنسية “تي إف 1” إلى أن دول المجموعة ستبذل كل ما في وسعها لتقليص اعتمادها على هذا الممر المائي. وأدرج ماكرون سوريا صراحةً ضمن خريطة الممرات البديلة.

 

سوريا كحل لهرمز والبحر الأحمر

قبل ذلك، كان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك أشار إلى أهمية سوريا كمحور لعبور البترول العربي.

وقال في مداخلة ألقاها في مارس خلال مؤتمر مجلس الأعمال الأميركي السوري الذي نظمه “المجلس الأطلسي” في واشنطن، إنها “لحظة في الزمن تمتلك فيها سوريا الروح والجغرافيا والقدرة الجيوسياسية لتكون حلاً لمضيق هرمز والبحر الأحمر”.

وبحسب دراسة نشرها “مركز الخليج للأبحاث” في السعودية بقلم الدكتور ناجي أبي عاد، تعود فكرة مشاريع نقل الغاز الخليجي إلى المشرق وأوروبا إلى التسعينيات، ويقضي أحد المسارات المقترحة بنقل الغاز القطري من حقل الشمال، أحد أكبر مكامن الغاز الطبيعي في العالم، عبر السعودية والأردن وسوريا، وصولاً إلى تركيا، ثم إلى الشبكة الأوروبية للغاز.

وقدرت الدراسة كلفة هذا المسار بنحو 10 مليارات دولار بأسعار 2009، أي 15 مليار دولار بالأسعار الحالية، ومن ميزاته أنه يتجنب ثلاث نقاط اختناق هي هرمز وباب المندب وقناة السويس، فضلاً عن توفيره كميات إضافية من الغاز للأردن وسوريا ولبنان لتوليد الكهرباء. إلا أن الظرف السياسي لم يكن حينها مواتياً.

وحين بدأت قطر تصدير الغاز في التسعينيات، مسالاً ومشحوناً بحراً، كانت بوابة سوريا موصدة، وكذلك بوابة العراق كطريق عبور آخر، بسبب الحروب والنزاعات.

 

ممر لعبور نفط الكويت

أشارت نشرة “ميدل إيست إيكونوميك سرفي” (ميس) المتخصصة، إلى أن مؤسسة البترول الكويتية تجري محادثات مع الدول المجاورة بشأن مسارات محتملة لتصدير نفط الكويت، وتدرس إمكانية الربط مع مسار “التابلاين” عبر السعودية والأردن وسوريا، وهو مشروع أغلقه أيضاً حافظ الأسد في الثمانينات عندما رفع تسعيرة العبور في سوريا إلى مستوى أعدم الجدوى الاقتصادية.

وتعتبر الكويت من أكثر الدول الخليجية التي تضررت اقتصادياً خلال الحرب، نظراً لافتقارها لممر بديل عن مضيق هرمز للتصدير.

من جهتها، تواجه الحكومة السورية الجديدة تحدي إعادة إعمار بالغ الضخامة، إذ تُقدَّر تكاليف إعادة بناء البنى التحتية والأحياء والمؤسسات الاقتصادية المدمَّرة بأكثر من 200 مليار دولار بحسب “البنك الدولي”.

 

وقد تشكّل استضافة خطوط أنابيب نفط وغاز عابرة للبلاد إحدى ركائز إعادة الإعمار، خصوصاً بما يرافقها من توظيف في مشاريع البناء وعمليات الصيانة والشحن وعائدات العبور، وإمكانية استخدام المنشآت المستحدثة لإعادة تأهيل وتطوير قطاع البترول السوري نفسه.

 

يأتي ذلك، مع بدء عودة كبرى الشركات العالمية إلى سوريا بعد أكثر من عقد من العزلة، ففي مايو الماضي، وقعت “توتال إنرجيز”، بالشراكة مع “قطر للطاقة” و”كونوكو فيليبس”، مذكرة تفاهم مع شركة النفط السورية لتقييم الرقعة البحرية رقم 3 قبالة الساحل السوري في المتوسط. كما أبدت شركة “غلف ساندز” البريطانية، استعدادها للعودة إلى حقل كانت تشغله في شمال شرقي سوريا قبل اندلاع الحرب عام 2011.

وكان إنتاج سوريا النفطي يبلغ حينها نحو 400 ألف برميل يومياً، يستهلك معظمه محلياً مع تصدير جزء بسيط. ولكن الإنتاج هبط بعد اندلاع الحرب الأهلية إلى نحو 40 ألف برميل يومياً عام 2023. أما إنتاج البلاد من الغاز فكان أقل من الاستهلاك المحلي، ما أجبر سوريا على الاستيراد من مصر عبر أنبوب عابر للأردن معروف باسم “أنبوب الغاز العربي”.

وفي هذا الإطار أطلق مركز دراسات “نيو لاينز للاستراتيجية والسياسة” في يونيو “مبادرة البحار الأربعة”، التي دعت البيت الأبيض والمفوضية الأوروبية إلى رعاية مجموعة مشاريع تعزز أمن الطاقة الأوروبي بعيداً عن الاعتماد على روسيا، من خلال شبكة توصل الغاز إلى القارة العجوز من بلاد محاذية للبحر الأحمر والمتوسط والأسود وقزوين.

ومن بين هذه المشاريع توسعة “أنبوب الغاز العربي”، والذي يُستعمل حالياً لنقل جزء من إمدادات الغاز التي تصل إلى الأردن عبر العقبة قبل ضخها شمالاً إلى سوريا، بعد تحوّل مصر من دولة مصدِّرة للغاز إلى مستورد يشتري جزءاً من حاجته من إسرائيل. وتقترح المبادرة ربط الأنبوب بحقول شرق المتوسط التي اكتُشفت في قبرص، والحقول التي يمكن اكتشافها في سوريا ولبنان، ومدّه إلى تركيا لتغذية أوروبا.

 

ومع إعادة تسليط الضوء على هذه المشاريع الضخمة، يشير أبي عاد إلى أن “الهياكل التجارية ستحتاج إلى مرونة كبيرة لإرضاء جميع الأطراف: المصدرين والمستوردين ودول العبور”.

 

وفي أي حال، يقول أبي عاد إن “التقاء تغيير النظام في سوريا، وأزمة هرمز، والحاجة الأوروبية للتقليل من اعتمادها على الغاز الروسي، خلق لحظة جيوسياسية واقتصادية جديرة بالدراسة، نظراً للمنافع التي ستوفرها مشاريع الطاقة المشتركة لدول المنطقة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *