في عصر بات فيه البحث عن “الترند” والشهرة السريعة هوساً يسيطر على عقول الكثيرين، أصبح من السهل استباحة حياة الآخرين وإلقاء التهم جزافاً أو اختلاق قصص وهمية لتحقيق بضع مشاهدات.
ومؤخراً، طالت هذه الظاهرة السلبية فئة من أكثر الفئات كدحاً وتضحية: العاملين في قطاع البترول. لذا، نوجهها رسالة واضحة وصريحة لكل الباحثين خلف الأضواء: ابحثوا عن الشهرة بعيداً عن هؤلاء.
لقد ظن البعض، بدافع الانسياق خلف الشائعات، أن العاملين في هذا القطاع الحيوي يسكنون فوق آبار البترول، يغترفون من ثرواتها وينعمون بحياة الترف والرفاهية المطلقة. لكن الواقع يقبع على النقيض تماماً من هذه الصورة النمطية الساذجة. فخلف الكواليس، تدور ملحمة من المعاناة اليومية التي لا يراها، أو يتجاهلها، صائدو الترند.
إن حياة العامل في قطاع البترول ليست نزهة. هل جربتم يوماً العمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة في قلب الصحراء القاحلة، أو وسط أمواج البحر العاتية على منصات الحفر المفتوحة؟ هؤلاء الرجال يقضون أسابيع وأشهراً في عزلة تامة، بعيداً عن أسرهم وأبنائهم في أهم لحظات حياتهم. يواجهون مخاطر بيئية وصناعية لا حصر لها، ويقتطعون من أعمارهم وصحتهم في بيئة عمل قاسية لا تعرف الرحمة؛ حيث الخطأ الصغير قد يكلف أرواحاً، وحيث الضغط النفسي والبدني هو الرفيق الدائم.
هؤلاء الكادحون لا يبحثون عن استعراض أو رفاهية وهمية، بل يعملون بصمت وتفانٍ من أجل هذا الوطن. هم الترس الأساسي الذي يضمن دوران عجلة الاقتصاد، ويوفر شريان الطاقة الذي يضيء البيوت ويشغل المصانع. تضحياتهم المنسية هي التي تضمن للأمة استقرارها ونموها في ظل أزمات وتحديات عالمية طاحنة.
من المعيب والمجحف أن تُقابل هذه التضحيات الجسام بمحاولات للاستخفاف، أو الاستغلال لصنع محتوى فارغ يثير الجدل. احترموا عرق الكادحين، وقدّروا من يحملون أرواحهم على أكفهم لخدمة بلادهم.
ولعل التاريخ القريب يحمل الشهادة الأكثر تجلياً على وطنية هذا القطاع؛ فمنذ أحداث ثورة يناير ٢٠١١ وما تلاها من تحديات وتحولات عاصفة، كان قطاع البترول يكاد يكون القطاع الوحيد الذي ظل متماسكاً، راسخاً كطود لا يتزعزع. لم تتوقف ماكينة إنتاج واحدة، ولم يشهد إضراباً أو تعطيلاً لمصالح الدولة، ولم يرفع عماله وكوادره أي مطالب فئوية قطّ. لقد أدرك أبناء هذا القطاع، بوعي وطني خالص، أن شريان الطاقة هو عصب البقاء؛ فواصلوا الضخ والعمل ليلاً ونهاراً لحماية مقدرات الوطن وتأمين الوقود والغاز للبيوت، والمستشفيات، ومحطات الكهرباء، والمصانع، لتبقى الدولة واقفة على أقدامها في أحلك الظروف.
إن هذه التضحيات التاريخية والمستمرة تفرض على كل منصة إعلامية وصانع محتوى الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية. لا يُعقل أن يُجازى عرق الكادحين وصناع الاستقرار بمحتوى مضلل يسعى لاختلاق الاستقطاب وتزييف الحقائق لإشباع رغبة الظهور الرقمي.
وإذا كنتم تصرون على البحث خلف الشهرة الزائفة، فابحثوا عن الترند بعيداً عن العاملين بقطاع البترول، فهم مشغولون بما هو أهم وأبقى: العمل من أجل بقاء الوطن وازدهاره.

