في اللحظة اللي بينجح فيها الكائن ده (الغاز) إنه يهرب من مسام الصخر ويخترق البير، بيبدأ يبعتلك إشارات تحذيرية وكأنه بيقولك: “أنا أخيراً خرجت من بيتي اللي عشت فيه ملايين السنين.. استعد!”
لكن هنا بتحصل واحدة من أعجب الخدع في عالم الحفر، خصوصاً لو كنا بنحفر باستخدام طفلة أساسها زيتي (Oil-Based Mud). الغاز أول ما بيقابل الزيت، بيدوب فيه تماماً! بيختفي وكأنه استسلم وفقد قوته.. عينك تبص على البير تفتكر إن الأمور استقرت ومفيش خطر، بس الحقيقة المرعبة إن المخلوق ده ما ماتش، ده استخبى في حضن الزيت، ساكن ومترقب، بيجمع قواه وطاقته طول ما هو طالع في البير، لحد ما يقل الضغط عليه ويوصل لمستوى معين قريب من السطح … وهنا بيكشف عن وشه الحقيقي، ينفصل عن الزيت ويتمدد بشراسة وانفجار عشان يقابلك على السطح بقوة تدميرية مضاعفة.
المشهد ده بياخدنا لمعنى قرآني عظيم جداً، وهو إننا عمرنا ما المفروض ننخدع بالظواهر أو نركن للهدوء الخادع. ربنا سبحانه وتعالى بيقول: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ). الخطر الحقيقي أحياناً بيكون متخفي في أكتر حاجة بتبان هادية ومستقرة. الزيت اللي المفروض إنه بيساعدنا في الحفر، هو نفسه اللي بقى مخبأ للغاز. وفي ديننا، المؤمن دايماً “كَيِّسٌ فَطِن”، عنده من الوعي والحذر اللي يخليه دايماً متيقظ، مابيطمنش للهدوء المؤقت، وبياخد بأسباب العلم والاحتياط اللي ربنا أمرنا بيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ).
وهنا بتظهر عظمة وبراعة “الحفار الشاطر” وخبير التحكم في الآبار … الحفار اللي فاهم سنن ربنا في الكون وقوانين الفيزياء، مابيعتمدش بس على اللي شايفه بعينه على السطح، ده بفضل علمه وتركيزه بيقدر “يسمع دقات قلب الغاز” وهو لسه مدفون ودايب جوا الزيت! بيلمح الإشارات الخفية (زي التغير البسيط جداً في راجع الطفلة أو مستوى الخزانات)، وعنده “البصيرة” الهندسية اللي تخليه يكتشف الخطر في أوله (Early Detection) قبل ما الوحش يتمدد ويفلت الزمام.
سبحان من وهب الإنسان العقل والبصيرة عشان يفك شفرات الطبيعة، ويسخر العلم عشان يقرأ الإشارات الخفية ويحمي الأرواح. شغلتنا على البريمة مش مجرد تعامل مع حديد ومعدات، دي رحلة يومية بنتدبر فيها إزاي نقرأ آيات ربنا في خلقه، وإزاي نكون دايماً صاحيين وعندنا يقين إن ورا كل سكون ظاهري.. طاقة وميزان محتاجين عقول واعية تديرهم.


