26 يونيو، 2026
الكهرباء

الذكاء الاصطناعي.. وضرورة أن يصبح فرصة مصر القادمة

بقلم: أحمد سلام
كلما سمعت الحديث عن المخاوف من التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي،عدت بذاكرتي إلى سنوات عملي الأولى بالهيئة العامة للاستعلامات في ثمانينيات القرن الماضي،وأتذكر جيدًا كيف استقبلنا انا وزملائي دخول الحاسب الآلي إلى مجال عملنا بشيء من القلق، وكأننا أمام عالم جديد قد يغير كل شيء، ثم جاءت ثورة الإنترنت، وتكررت المخاوف ذاتها، واعتقد البعض أن التكنولوجيا ستقضي على كثير من الوظائف.
غير أن الأيام أثبتت أن الإنسان كان دائمًا أقدر على التكيف مما نتخيل،فقد تغيرت أدوات العمل، وظهرت تخصصات ومهن جديدة، وأصبح التعلم المستمر هو الطريق الطبيعي لمواكبة العصر.
ولقد علمتني تلك السنوات أن التكنولوجيا لا تفرق بين صغير وكبير، لكنها تفرق بين من يتعلم ومن يكتفي بالخوف من التغيير.
ومن هذه التجربة الشخصية، ترسخت لدي قناعة بأن التكنولوجيا لا تستبدل الإنسان، لكنها قد تتجاوز من يرفض التعلم أو يتوقف عن تطوير مهاراته، وربما لهذا السبب أرى المشهد يتكرر مع الذكاء الاصطناعي، حيث يثير قلقًا واسعًا بين الطلاب والشباب والعاملين في مختلف المهن. لكن من وجهة نظري، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ بل: هل نحن مستعدون لاكتساب المهارات التي يفرضها هذا العالم الجديد؟
ووفق تقديرات لصندوق النقد الدولي أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر بدرجات متفاوتة على نحو 40% من الوظائف عالميًا، بينما تؤكد دراسات أخرى أن التكنولوجيا ستخلق فرصًا ومجالات عمل جديدة بقدر ما ستغير من طبيعة الوظائف التقليدية.
ومن هنا، فإن المنافسة في المستقبل لن تكون بين الإنسان والآلة، وإنما بين من يجيد استخدام الذكاء الاصطناعي ومن لا يتقن تعلمه واستخدامه بل وتسخيره لمصلحته.
وأعتقد أن الاستعداد لهذا المستقبل يجب أن يبدأ من المدرسة، لا من الجامعة أو سوق العمل. فالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يصبح جزءًا من العملية التعليمية، ليس بهدف تخريج مبرمجين فقط، بل لإعداد أجيال قادرة على التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، والتعامل مع التقنيات الحديثة بصورة آمنة وفعالة.
ولا شك أن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى بنية تحتية رقمية متطورة، ومدارس مجهزة، وشبكات اتصال قوية، ومعلمين مؤهلين، ومناهج تواكب التطورات العالمية، فضلاً عن تدريب مستمر للعاملين في مختلف القطاعات.
وفي حقيقة الأمر فإن مصر بدأت بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه، سواء من خلال التوسع في برامج وكليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، أو عبر تسارع جهود التحول الرقمي في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي تقود مسارًا واضحًا نحو بناء بنية رقمية حديثة وتعزيز قدرات الدولة في مجالات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية،كما تشارك عدد من الجهات الوطنية في برامج تدريب وتأهيل تستهدف رفع كفاءة العاملين في مختلف القطاعات لمواكبة هذا التحول المتسارع.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة الهيئة العامة للاستعلامات كنموذج جدير بالتقدير، من خلال ما تبنته مؤخرًا من برامج ودورات تدريبية متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي للعاملين بها، بهدف تطوير الأداء الإعلامي والإداري ورفع كفاءة الكوادر المهنية. وأود هنا أن أشيد بالدور الذي يقوم به السفير علاء يوسف، رئيس مجلس ادارة الهيئة العامة للاستعلامات ، في دعم هذا التوجه وتوسيع نطاق التدريب ليشمل أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، بما يعكس رؤية واعية بأهمية الاستثمار في العنصر البشري. ومن وجهة نظري، فإن تعميم مثل هذه البرامج لتشمل مختلف التخصصات داخل المؤسسات سيكون خطوة أكثر تأثيرًا نحو إعداد جهاز إداري وإعلامي قادر على التفاعل مع متطلبات العصر الرقمي.
وفي تقديري الشخصي، فإن أخطر ما قد نواجهه ليس انتشار الذكاء الاصطناعي، بل التأخر في الاستعداد له. فالدول التي تستثمر في التعليم والتدريب والبنية التحتية ستتمكن من الاستفادة من هذه الثورة، بينما قد تجد الدول المتأخرة نفسها مجرد مستهلك للتكنولوجيا.
ولعل الرسالة الأهم للشباب وأولياء الأمور هي أن الخوف من الذكاء الاصطناعي لن يغير المستقبل، أما تعلمه وإتقان مهاراته فسيمنح الأجيال الجديدة فرصة أفضل للمنافسة والعمل والإبداع.
وللحديث بقية في مقالات قادمة حول أبعاد الذكاء الاصطناعي في مصر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *