28 يوليو، 2026
مقالات

المستشارة كريمة النديم تكتب: ميزان الأخلاق.. وتقييم البشر 

 

من أكثر الصفات التي تثير الاشمئزاز في النفس أن ترى إنسانًا لا يعرف قيمة البشر، وإنما يعرف قيمة المناصب. يزن الناس بوظائفهم، وهيئتهم، وأسمائهم، وحجم نفوذهم، وما يمكن أن يجنيه من ورائهم. فإن رأى مصلحة، بالغ في الاحترام والتقدير، وإن لم يرَ منفعة، مرَّ وكأن أمامه شخصًا لا قيمة له.
هذا ليس احترامًا… بل انتهازية في أبشع صورها.
الإنسان الحقيقي لا تتغير أخلاقه بتغير الأشخاص. لا يكون مهذبًا مع المدير وسيئًا مع العامل، ولا يبتسم لصاحب النفوذ ويعبس في وجه البسيط، ولا يمد يد العون لمن ينتظر منه المقابل، ثم يدير ظهره لمن لا يملك إلا كلمة “جزاك الله خيرًا”.
ساعد لأنك تؤمن أن الخير عبادة، لا صفقة. افعل المعروف لوجه الله، لا انتظارًا لرد الجميل، ولا طمعًا في واسطة، ولا سعيًا وراء مصلحة. فما كان لله يبقى، وما كان للمصلحة ينتهي بانتهائها.
تذكر دائمًا أن الدنيا تدور، وأن من تراه اليوم شخصًا عاديًا قد يكون غدًا سببًا في تفريج كربتك، وقد يجعل الله لك العون على يد إنسان لم يكن بينك وبينه سابق معرفة. فالله لا يرسل لك الخير دائمًا من الطريق الذي تتوقعه، وإنما من حيث لا تحتسب.
لا تحتقر أحدًا، ولا تتكبر على أحد، ولا تجعل معيارك في التعامل هو المنصب أو المال أو المظهر. فكم من صاحب منصب خذل الناس، وكم من إنسان بسيط كان سندًا وعونًا وسببًا في نجاة غيره. وكم من شخص لا يملك إلا قلبًا نقيًا، كانت قيمته عند الله أعظم من أصحاب الجاه والسلطان.
اجعل أخلاقك ثابتة مع الجميع. احترم الجميع، وقدّر الجميع، وساعد من استطعت مساعدته دون أن تسأل نفسك: “ماذا سأستفيد؟”. لأن أعظم الأعمال هي التي لا ينتظر صاحبها مقابلًا من البشر، وإنما ينتظر أجرها من الله وحده.
فلا تجعل تعاملك مع الناس تجارة مصالح، ولا تجعل المعروف وسيلة للوصول إلى غاية. اجعل قلبك نظيفًا، ويدك ممدودة للخير، ولسانك طيبًا مع الجميع. فمن جعل تعامله كله لله، رزقه الله من فضله، وسخّر له من يقف بجانبه في أشد أوقاته، ولو جاءه العون من شخص لم يكن يخطر له على بال.
فالخير الذي تزرعه في الناس، قد لا يعود إليك من الشخص نفسه، لكنه لا يضيع عند الله أبدًا. ولهذا اجعل شعارك دائمًا: عامل الناس لله، وأحسن إليهم لله، واترك الجزاء على الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *