5 يوليو، 2026
مقالات

المستشار أحمد سلام يكتب: الذكاء الاصطناعي (2) الشهادة وحدها ليست كافية

في الجزء الأول من هذا المقال، خلصنا إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يقضي على الوظائف بالمعنى التقليدي، لكنه سيغير طبيعتها بصورة لم يشهدها العالم منذ الثورة الصناعية. والحقيقة الخطر ليس في ظهور التكنولوجيا، بل في التأخر عن مواكبتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا يعني ذلك بالنسبة لطلاب الجامعات والشباب والدارسين المقبلين على سوق العمل ومنهم هم في وظائفهم الان؟
هذا السؤال لم اقرئه في تقرير دولي، بل سمعته من طلاب اللغة الصينية خلال لقاء جمعني بهم في إحدى الجامعات المصرية، كما سمعته من شباب آخرين في أكثر من مناسبة. كان السؤال بسيطًا وعميقًا في الوقت نفسه: هل سيظل لتخصصنا مكان في سوق العمل عندما نتخرج؟.
وأعتقد أن هذا السؤال لا يخص طلاب اللغات وحدهم، بل يشغل أيضًا طلاب الإعلام، والحقوق، والتجارة، والهندسة، والطب، والصحافة….، بل هو يشغل كل أسرة لديها ابن أو ابنة على مقاعد الدراسة.
وللإجابة عن هذه الأسئلة، كان لا بد من الإشارة
الي أن التعليم الجيد و التعلم المستمر أصبح جزءًا أساسيًا من بناء الإنسان..
وخلال اطلاعي علي بعض التقارير والمؤشرات العالمية المنشورة ، ووفقًا لتقرير عالمي حديث أصدرته شركة الاستشارات الدولية PwC عام 2025، وهو من أكبر الدراسات التي تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل بعد تحليل ما يقرب من مليار إعلان توظيف في ست قارات، وقد خلص التقرير إلى أن المهارات المطلوبة في الوظائف الأكثر ارتباطًا بالذكاء الاصطناعي تتغير بوتيرة أسرع بنسبة 66%، بينما يحصل العاملون الذين يمتلكون مهارات في استخدام الذكاء الاصطناعي على متوسط أجور أعلى بنحو 56%.
وهنا تكمن الرسالة الأهم. فالذكاء الاصطناعي لا يعلن الحرب على التخصصات الجامعية، وإنما على التعليم الذي يكتفي بالحفظ والتلقين. فالتطبيقات الذكية أصبحت قادرة على كتابة التقارير، وترجمة النصوص، وتحليل البيانات، وإعداد العقود القانونية الأولية، بل وحتى إنتاج المحتوى، لكن الإنسان ما زال يمتلك ما لا تستطيع الآلة أن تحاكيه بالكامل، وهو فهم السياق، والإبداع، والتفكير النقدي، والقدرة على الإقناع، وتحمل المسؤولية.
ولذلك لم يعد السؤال: ماذا درست؟ بل أصبح: كيف تطور ما درسته؟
وعندما نطالع الوظائف التي تطلبها شركات التكنولوجيا الكبرى اليوم، نجد أنها إلى جانب المهندسين والمبرمجين استحدثت وظائف متخصصة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تعتمد على خبراء في الفلسفة، وعلم النفس، والاجتماع، والقانون، وغيرها من التخصصات. كما توسعت شركات عالمية أخرى في توظيف خبراء سلامة النماذج، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات. ولم تعد الوظائف الأسرع نموًا تقتصر على البرمجة، بل تشمل محللي البيانات، ومديري المنتجات الرقمية، ومتخصصي الأمن السيبراني، وخبراء تجربة المستخدم، والمتخصصين في الامتثال القانوني، وهي وظائف تجمع بين المعرفة التخصصية والمهارات الرقمية.
وبالعودة إلى أسئلة دارسي اللغة الصينية، ومن واقع متابعتي للعلاقات المصرية الصينية، كانت إجابتي واضحة: لا تخافوا على تخصصاتكم، بل احرصوا على تطويرها، فاللغة الصينية، على سبيل المثال، ستظل من اللغات المطلوبة،لأنها لغة ثاني أقوي اقتصاد في العالم ، لكن سوق العمل لن يكتفي بمترجم يجيد اللغة فحسب، بل سيبحث عن مترجم لديه مهارة فهم صناعة السيارات الكهربائية، أو التجارة الدولية، أو الخدمات اللوجستية، أو الاستثمار، أو الإعلام،او ادارة المواني….ويجيد توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في عمله.
فالشركات الصينية العاملة في مصر علي سبيل المثال، تعمل علي استقطاب كوادر تفهم الصناعة، والتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، والتسويق الرقمي، وتستطيع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عملها اليومي.
والأمر نفسه ينطبق على خريجي الإعلام، والحقوق، والتجارة، والهندسة، والطب، فالمستقبل سيكون لمن يجمع بين تخصصه الأكاديمي والمهارات الرقمية، وليس لمن يعتمد على الشهادة وحدها.
أما بالنسبة لمصر، فأعتقد أن الفرصة أمامها أكبر من التحدي، في ظل ما شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة من تطوير كبير في البنية التحتية، والتوسع في إنشاء الجامعات، وإضافة تخصصات أكاديمية جديدة تواكب احتياجات الاقتصاد الجديد ، ويأتي في مقدمة هذه الفرص النمو المتسارع لصناعة التعهيد، وهي تعني ببساطة قيام الشركات العالمية بإسناد جزء من أعمالها إلى كوادر تعمل من مصر، مستفيدة من الكفاءات البشرية وتنافسية التكلفة. وتشمل هذه الأعمال مجالات متنوعة، مثل تطوير البرمجيات، وتحليل البيانات، وخدمة العملاء، والترجمة، والمحاسبة، والتصميم، والبحث والتطوير، وغيرها من الخدمات التي يمكن تقديمها عن بُعد باستخدام التكنولوجيا. وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الشباب المصري للعمل في السوق العالمية من داخل وطنه، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليه اكتساب مهارات جديدة تتناسب مع متطلبات هذا التحول.
وليس من قبيل المصادفة أن يؤكد أحدث تحليل أصدره “مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري” في نهاية يونيو الماضي والذي أكد علي أن صناعة التعهيد أصبحت من أكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات وتوليدًا لفرص العمل، وأن الشركات العالمية لم تعد تبحث فقط عن خفض التكاليف، بل عن الكفاءات البشرية القادرة على تقديم خدمات عالية القيمة عبر الحدود. وأشار التقرير إلى أن مصر نجحت في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد، مستفيدة من قاعدة شبابية واسعة، وبنية تحتية رقمية متطورة، وموقع جغرافي متميز، مع استهداف زيادة صادرات خدمات التعهيد من نحو 5.2 مليارات دولار إلى 6 مليارات دولار خلال عام 2026، والتوسع في مجالات أكثر تقدمًا، مثل تصميم الإلكترونيات وأشباه الموصلات.
وهنا اقول للشباب لقد تغيرت قواعد المنافسة، فلم تعد بين الإنسان والآلة، وإنما بين إنسان يجعل الذكاء الاصطناعي أداة تعزز إنتاجيته وتوسع آفاق عمله، وآخر يكتفي بما تعلمه قبل سنوات، أي أنه يقف محلك سر.
ومن هنا، فإن أهم شهادة سيحملها خريج المستقبل لن تكون شهادة التخرج وحدها، بل قدرته على التعلم المستمر، لأن المعرفة لم تعد مرحلة تنتهي بالحصول على المؤهل الجامعي، وإنما رحلة تتجدد مع كل تطور علمي وتقني. وهذه، في تقديري، هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى شباب مصر إذا أردنا أن نحول ثورة الذكاء الاصطناعي إلى فرصة حقيقية للنمو والتنمية، لا إلى مصدر جديد للقلق.
وخلاصة ما أقول: أن الدولة والاسرة عليهما دور كبير وخطير ، فإذا أحسنا استثمار التحول الرقمي، فإن السنوات المقبلة سوف تشهد طلبًا متزايدًا على الكوادر التي تجمع بين التخصص الأكاديمي والمهارات الرقمية في القطاعات التي تشهد نموًا واضحًاعلي المستوي العالمي ،لذا علينا أن نبدأ بالانسان الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *