16 يوليو، 2026
أخبار مصر مقالات

المستشار أحمد سلام يكتب:  الذكاء الاصطناعي.. كيف يمكننا أن نستعد له (٣)

في الجزء الأول من هذه السلسلة، تناولت كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل، وأن القضية لم تعد اختفاء الوظائف بقدر ما هي تغير طبيعتها ومتطلباتها. وفي الجزء الثاني، حاولت الإجابة عن السؤال الذي يطرحه كثير من الطلاب: كيف نستعد لوظائف المستقبل؟ وهل تكفي الشهادة الجامعية وحدها لضمان فرصة عمل؟
لكن إذا كان تطوير المهارات مسؤولية الفرد، فإن هناك سؤالًا أكثر أهمية يفرض نفسه الا وهو : هل يمكن لأي شاب أن ينجح في عصر الذكاء الاصطناعي إذا لم تمتلك دولته منظومة تعليم وبحث علمي وتشريعات وبنية رقمية تواكب هذا التحول؟
بالتأكيد الإجابة هي: لا.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية حديثة، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في القوة الاقتصادية للدول، ومقياسًا لقدرتها على المنافسة وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل. ولذلك لم تنتظر الدول الكبرى حتى تفرض التكنولوجيا نفسها، بل سارعت إلى وضع استراتيجيات وطنية، وتحديث مناهج التعليم، وربط الجامعات بالصناعة، وتشجيع البحث العلمي والابتكار.
ولعل التجربة الصينية تقدم مثالًا واضحًا على ذلك ،
أصدر مجلس الدولة الصيني في يوليو 2017 وثيقة “خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي”، وتهدف الخطة إلى تصبح الصين مركزا عالميا رائداً للابتكار في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، مما يجعله القوة الأساسية للتحول الاقتصادي والتحديث الصناعي في البلاد.
تعتمد الخطة استراتيجية ثلاث مراحل الأولى (بحلول عام 2020 وكانت تهدف الوصول إلى المستويات العالمية المتقدمة في تكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
اما المرحلة الثانية ( بحلول عام 2025):
كانت تهدف لتحقيق اختراقات جوهرية في النظريات الأساسية لمجال الذكاء الاصطناعي.
اما المرحلة الثالثة (بحلول عام 2030) تهدف الي أن تصبح الصين مركز الابتكار الأول للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، وتحقيق تقدم ملحوظ في مجالات مثل النظريات، التقنيات، وتطبيقات الأنظمة.
ومنذ إعلان خطة تطوير الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي عام 2017، اعتبرت الصين الذكاء الاصطناعي أحد المحركات الرئيسة للتنمية الاقتصادية. ولم يقتصر الاهتمام على دعم الشركات أو إنشاء مراكز بحثية، بل امتد إلى التعليم، حيث عملت وزارة التعليم الصينية على تحديث التخصصات الجامعية، واستحداث برامج في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والروبوتات والتصنيع الذكي، مع تشجيع الجامعات على التعاون المباشر مع الشركات حتى تتوافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل.
وفي الولايات المتحدة، اتخذت المسألة مسارًا مختلفًا، لكنه يحقق الهدف نفسه. حيث ارتبطت الجامعات ارتباطًا وثيقًا بالشركات العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تشارك هذه الشركات في تمويل الأبحاث، وتوفير برامج التدريب، واستقطاب الطلاب المتميزين، بما يضمن انتقال المعرفة بسرعة من المختبرات إلى الأسواق.
ولا شك أن مصر تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من هذه الثورة، إذا ما واصلت البناء على ما تحقق خلال السنوات الأخيرة ،حيث شهدت البلاد توسعًا ملحوظًا في إنشاء الجامعات الحكومية والأهلية والتكنولوجية، وإضافة تخصصات جديدة، إلى جانب تطوير البنية التحتية الرقمية، والتوسع في خدمات الاتصالات، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، فضلًا عن النمو المتسارع في صناعة التعهيد والخدمات الرقمية.
الا أن المرحلة المقبلة تتطلب تحديث مستمر للمناهج التعليمية، وربط التعليم الجامعي باحتياجات الصناعة، وزيادة فرص التدريب العملي، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، حتى يصبح الخريج قادرًا على المنافسة داخل مصر وخارجها.
ولعل من المفيد أن الاقتصاد المصري يشهد توسعًا في قطاعات واعدة، مثل التعهيد، والخدمات الرقمية، والطاقة الجديدة والمتجددة، والتكنولوجيا المالية، والصناعات الإلكترونية، وسياحة اليخوت، والسياحة العلاجية، وصناعة الأجهزة التعويضية، وهي جميعها قطاعات ستحتاج إلى كوادر تجمع بين التخصص الأكاديمي، والمهارات الرقمية، وإجادة اللغات الأجنبية.
و نخلص من ذلك أن الاستثمار الحقيقي لم يعد في التكنولوجيا وحدها، وإنما في الإنسان القادر على استخدامها وتطويرها. فالجامعة مطالبة بأن تمنح الطالب أساسًا علميًا متينًا، لكن عليها أيضًا أن تعلمه كيف يتعلم، وكيف يطور نفسه، وكيف يتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسيلة لزيادة الإنتاجية، لا بديلًا عنه.
ولا يقل دور الإعلام أهمية عن دور التعليم. فالإعلام مسؤول عن نشر الوعي، وتبسيط المفاهيم، وتصحيح الصورة الذهنية التي تصور الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا يهدد الجميع، بينما الحقيقة أنه يمثل فرصة كبيرة لمن يستعد له جيدًا.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة لن تكون فقط تلك التي تمتلك أحدث التقنيات، وإنما تلك التي تنجح في بناء إنسان قادر على التعلم المستمر، والتكيف مع المتغيرات، وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية.
وفي تقديري، فإن مصر تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا مهمًا في الاقتصاد الرقمي، إذا استمرت في الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والبنية الرقمية، وربطها جميعًا باحتياجات سوق العمل.
الرهان الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس على الآلات، وإنما على الإنسان القادر على توظيفها لخدمة التنمية. ومن ينجح في إعداد هذا الإنسان اليوم، سيكون الأقدر على قيادة اقتصاد الغد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *