30 أبريل، 2026
مقالات

المستشار أحمد سلام يكتب: القمة العربية–الصينية 2026 في بكين واستشراف شراكة المستقبل

حين أستعيد مشواري الطويل مع الصين، منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي مرورًا بمحطات العمل الإعلامي والاحتكاك المباشر بالمجتمع الصيني، أجد أن ما تغيّر ليس فقط حجم الصين أو موقعها في العالم، بل طبيعة العلاقة نفسها بين العرب والصين. لقد انتقلت هذه العلاقة من التعارف الحذر إلى الشراكة المتنامية، ومن التعاون التجاري التقليدي إلى أفق أوسع عنوانه “التنمية المشتركة”. واليوم، ونحن على أعتاب القمة العربية–الصينية الثانية المزمع عقدها في بكين خلال النصف الثاني من عام 2026، يبدو أننا أمام لحظة تاريخية جديدة تستدعي قراءة أعمق وأكثر استشرافًا. عالم يتغير… وقمة تُعيد التموضع تأتي القمة المرتقبة في سياق دولي مضطرب؛ نظام عالمي يميل إلى التعددية القطبية، توترات جيوسياسية ممتدة في الشرق الأوسط، أزمات في الطاقة وسلاسل الإمداد، وتحديات مناخية واقتصادية عابرة للحدود. في مثل هذا السياق، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بسياسات تقليدية أو تحالفات جامدة، بل أصبح لزامًا على الدول البحث عن شراكات مرنة قادرة على تحقيق التوازن بين الأمن والتنمية. هنا تبرز أهمية القمة العربية–الصينية، ليس فقط كإطار سياسي للحوار، بل كمنصة لإعادة صياغة موقع العالم العربي داخل خريطة القوى الدولية، عبر شراكة مع قوة صاعدة تمتلك رؤية مختلفة لإدارة التنمية والعلاقات الدولية. إذا كانت القمة العربية الصينية الأولى في الرياض قد دشّنت مرحلة جديدة من العلاقات، فإن قمة بكين المرتقبة مرشحة لأن تنقل هذه العلاقات إلى مستوى أكثر نضجًا وعمقًا. فالصين اليوم لا تتحرك فقط بمنطق المصالح الاقتصادية، بل بمنظور أشمل يربط بين التنمية والاستقرار، ويضع الإنسان في قلب العملية التنموية. هذا التحول يتجلى في الفلسفة التنموية الصينية مع بداية تطبيق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، حيث لم يعد الهدف هو النمو الكمي فقط، بل تحقيق “تنمية عالية الجودة” تضمن توزيعًا أكثر عدالة لثمار التقدم. ومن هنا، فإن القمة تمثل فرصة للعرب للاطلاع عن قرب على نموذج تنموي نجح في الجمع بين توسيع القاعدة الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين. والسؤال الان لم يعد: هل نتعاون مع الصين؟ بل كيف نحسن استثمار هذه الشراكة؟ في البداية لابد من نقل الخبرة التنموية حيث تمتلك الصين تجربة فريدة في التخطيط طويل الأمد، وربط السياسات الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. يمكن للدول العربية، خاصة تلك التي تخوض مسارات إصلاح اقتصادي، الاستفادة من هذا النموذج في بناء سياسات أكثر توازنًا بين النمو والعدالة. المرحلة القادمة لابد أن نركز علي توطين التكنولوجيا لا استيرادها فالتعاون يجب أن يرتكز على نقل المعرفة، وليس مجرد استيراد المنتجات. الصين أبدت استعدادًا واضحًا لتقاسم خبراتها في مجالات مثل الزراعة الذكية، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات حيوية لمستقبل المنطقة. وكذلك من المهم جدا بناء قواعد صناعية مشتركة حيث يمتلك العالم العربي موارد طبيعية هائلة، بينما تمتلك الصين قدرات صناعية وتكنولوجية متقدمة. الجمع بين الطرفين يمكن أن يخلق نموذجًا إنتاجيًا جديدًا، خاصة في مجالات التعدين والصناعات التحويلية. وتؤكد المشروعات التي تنفذها الشركات الصينية في المنطقة تعزيز البنية التحتية كمدخل للتنمية وهنا لا يجب النظر إليها كمجرد إنجازات هندسية، بل كأدوات لإعادة تشكيل الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل وتحفيز النمو. ومع اقتراب شهر مايو نجد أن مبادرة “صفر جمارك”الصينية تعد نافذة عملية لتعظيم المكاسب على واردات عدد من الدول النامية ومن بينها دول عربية تقع في أفريقيا. وهذه الخطوة لا تمثل مجرد إجراء تجاري، بل تعكس توجهًا صينيًا لدعم اندماج هذه الدول في الاقتصاد العالمي، ومنح صادراتها ميزة تنافسية داخل السوق الصينية الضخم، وبالنسبة للدول العربية المستفيدة، فإنها تفتح نافذة حقيقية للنفاذ إلى سوق يتجاوز مليارًا وأربعمائة مليون مستهلك، بما يعزز فرص زيادة الصادرات غير النفطية، خاصة في مجالات المنتجات الزراعية، والمواد الخام، وبعض الصناعات الخفيفة. الا أن الاستفادة القصوى من هذه المبادرة تظل مرهونة بقدرة المصدرين العرب على تلبية معايير الجودة الصينية الصارمة، وتطوير سلاسل القيمة المحلية، بحيث لا تظل الصادرات في حدودها الأولية، بل تتجه نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى. ومن هنا، يمكن النظر إلى “صفر جمارك” باعتبارها اختبارًا حقيقيًا للقدرة التنافسية العربية، بقدر ما هي فرصة واعدة. القمة العربية–الصينية في بكين 2026 قد لا تغيّر العالم بين ليلة وضحاها، لكنها بلا شك تمثل خطوة مهمة في اتجاه بناء شراكة أكثر توازنًا وإنسانية، شراكة لا تقوم فقط على ما نملكه من موارد، بل على ما يمكن أن نصنعه معًا من مستقبل، حيث تتحول الفرص—مثل مبادرة “صفر جمارك”—إلى أدوات حقيقية لتحقيق التنمية والرخاء المشترك لشعوب الجانبين.

كاتب المقال المستشار: أحمد سلام 

*عضو المجلس المصري للشئون الخارجية المستشار الاعلامي الاسبق بسقارة مصر ببكين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *