23 مايو، 2026
أخبار مصر مقالات

المهندس صبري الشرقاوي يكتب: آفة من آفات هذا الزمان: اعتبار الأدب والتواضع ضعفًا

في هذا الزمان أصبح بعض الناس ينظرون إلى الأدب والتواضع وكأنهما عيب أو ضعف، مع أن أخلاق الإسلام قامت على حسن المعاملة وسمو السلوك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وهذا يدل على أن مكارم الأخلاق كانت موجودة، فجاء الإسلام ليكملها ويهذبها ويصل بها إلى أسمى درجاتها.
ومع ذلك نجد أن بعض الناس لا يقدّرون صاحب الخلق الحسن، بل قد يحترمون المتعالي أو من يعاملهم بجفاء وقسوة أكثر مما يحترمون صاحب الأدب والتواضع، بينما يدعونا الإسلام إلى حسن المعاملة واحترام الكبير والعطف على الصغير.
وقد روى النسائي في سننه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس ما يحب أن يُؤتى إليه». وقال الإمام القرطبي رحمه الله: أي يأتي إلى الناس بحقوقهم من النصح وحسن النية، بمثل الذي يحب أن يُؤتى إليه به. ومعنى ذلك أن الإنسان يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه، وهي قاعدة عظيمة في التعامل بين الناس.
وفي واقعنا قد يجد الإنسان أنه إذا احترم الآخرين لم يجد منهم الاحترام نفسه، وإذا تواضع ظن بعض الناس أن ذلك ضعفًا، وإذا أحسن استغل بعضهم إحسانه. وهنا يبرز سؤال مهم: هل يدل ذلك على ضعف في الإيمان، أم أن سوء الأخلاق بدأ ينتشر عند فئة من الناس؟
والعجب هنا أن بعض الناس يريدون الاحترام من الآخرين وهم لا يمنحونهم احترامًا، ويريدون التقدير لأنفسهم وهم لا يقدّرون غيرهم. فكيف تريد من الناس أن يحترموك وأنت لا تحترمهم؟ وكيف تريد منهم أن يوقروك وأنت لا تعرف قدرهم ولا تعطيهم حقهم من الأدب وحسن المعاملة؟
وتزداد المشكلة حين نجد من ينتسب إلى الدين أو يضع نفسه ضمن أهل التدين، لكنه لا يتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الرحمة والتواضع وحسن المعاملة؛ فالتدين ليس بالمظهر أو الادعاء، وإنما بالأخلاق والسلوك قبل كل شيء.
فالأدب ليس ضعفًا، والتواضع ليس نقصًا، بل هما قوة في النفس ورفعة في الخلق، وإن قلّ من يقدّرهما عند بعض الناس. فمن زرع احترامًا حصد احترامًا، ومن نشر حسن الخلق بين الناس وجد أثره في المجتمع، وإن تأخر ذلك أحيانًا أو لم يجده من بعض الأفراد.ورد في صحيح البخاري: «إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس ـ أو ودعه الناس ـ اتقاء فُحشه».
وهذا الحديث يصف الإنسان البذيء أو المؤذي أو سيئ المعاملة الذي يتحاشاه الناس ويبتعدون عن مخالطته خوفًا من لسانه أو أذاه، حتى إنهم قد يبدون له اللين أو المجاملة دفعًا لشره، لا حبًا فيه أو تقديرًا له. ومثل هذا الشخص يُعد من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة؛ لأن إيذاء الناس والاعتداء على حقوقهم وسوء معاملتهم من أسباب فساد العلاقات بين أفراد المجتمع.
وقد استنبط العلماء من هذا الحديث جواز المداراة مع أهل الشر لدفع أذاهم، وهي تختلف عن المداهنة؛ فالمداراة تكون بالكلمة الطيبة واللين وحسن التصرف لكف الأذى دون التفريط في الحق أو التنازل عن الدين، أما المداهنة فهي ترك الحق طلبًا لرضا الناس أو خوفًا منهم.
وهنا تظهر المفارقة العجيبة؛ فبعض الناس يظنون أن الهيبة تُكتسب بالتعالي أو الشدة أو إيذاء الآخرين، بينما الهيبة الحقيقية تأتي من حسن الخلق والاحترام والتواضع، فالقلوب قد تخاف صاحب السوء، لكنها لا تحبه ولا تقدّره، أما صاحب الخلق الحسن فقد يكسب محبة الناس واحترامهم وإن تأخر ذلك عند بعضهم.

1 Comment

  • ابراهيم غنيم 23 مايو، 2026

    الله ينور عليك باشمهندس وبارك الله فيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *