6 يونيو، 2026
أخبار مصر مقالات

المهندس صبري الشرقاوي يكتب: آفة من آفات هذا الزمان: الأنا والنفس والهوى

لقد أتممت عامي السادس والستين، وتعاملت خلال أكثر من أربعين عامًا مع آلاف الأشخاص من جنسيات وثقافات مختلفة، ومن شتى المستويات الوظيفية؛ من عامل النظافة إلى الوزراء وكبار المسؤولين. ومن خلال هذه الرحلة الطويلة أدركت أن التواضع لا يرتبط بالمنصب أو مستوى الدخل أو المكانة الاجتماعية، وإنما يرتبط بقدرة الإنسان على التحكم في الأنا والنفس والهوى.

وقد لاحظت أن الذين يتعاملون مع الناس بالحسنى، ويقتدون بما حث عليه ديننا الإسلامي من حسن الخلق ولين الجانب واحترام الآخرين، يتركون أثرًا طيبًا وذكرى حسنة في نفوس كل من عرفهم. بل إن الناس بعد انتهاء فترة العمل أو التعامل معهم يتمنون لقاءهم، ويثنون عليهم عند ذكر أسمائهم، ويتسابقون إلى السلام عليهم، ويتمنون لو طال وقت الجلوس معهم.

أما الذين تغلب عليهم الأنا ويتضخم لديهم الإيجو، فهم الخاسرون في النهاية، مهما ظنوا أنهم ناجحون أو محترمون. فقد يضطر الناس إلى مجاملتهم أو التعامل معهم بحكم المنصب أو المصلحة، ولكن ما إن تنتهي هذه الضرورة حتى لا يرغب أحد في لقائهم أو سماع أسمائهم، فضلاً عن أن يتذكرهم بخير.

ومن الذكريات التي لا أنساها مع شيخي جزاه الله عنا خيرا، أنه كان يحذرنا دائمًا من كثرة استعمال كلمة “أنا”، فيقول: لا تكثر من قول: أنا فعلت، وأنا أمرت، وأنا أصلحت، وأنا أعطيت، وأنا منعت؛ فإن ذلك يغذي الكبر في النفس ويعظم الأنا في القلب.

وقال لنا: من أخطر آفات النفس آفة “الأنا” إذا تحولت إلى كبر واستعلاء. وقد كانت أول معصية لله بسبب هذه الآفة، عندما رفض إبليس السجود لآدم عليه السلام وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، فقدم رأيه وهواه على أمر ربه. وهكذا كانت الأنا المتضخمة سبب العصيان، ولا تزال سببًا لرفض الحق والتعالي على الناس، بينما يبقى التواضع من أعظم أسباب رفعة الإنسان.

 

وكان رضى الله عنه يذكرنا بقول الله تعالى:

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]

ويبين أن الله سبحانه وتعالى هو وحده المستحق لأن يقول “أنا” بهذا الإطلاق، لأنه الواحد الأحد، المعبود بحق، الذي لا إله غيره. أما العبد فكلما تواضع لله رفعه الله، وكلما أعجب بنفسه نقص قدره عند الله وعند الناس.

وكان يقول لنا أيضًا: “يا بني، إن كان لك لسان فللناس ألسنة، ومن لا يستطيع الرد عليك في حضورك قد يرد عليك أضعاف ذلك في غيابك”. وكان يؤكد أن احترام الآخرين هو في حقيقته احترام للذات؛ لأن الناس يبادلون الاحترام باحترام أكبر، والتقدير بتقدير أعظم.

كما كان يردد دعاءً عظيمًا: “اللهم إني أعوذ بك من نفسي والشيطان”، ويذكرنا بقوله تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]

فمن خاف الوقوف بين يدي الله، وكف نفسه عن الهوى والشهوات المحرمة، وخالف رغباتها فيما يغضب الله، كان جزاؤه الجنة بإذن الله.

إن الأنا والنفس والهوى إذا تُركت بلا تهذيب أفسدت صاحبها، وأنقصت قدره في أعين الناس، حتى وإن لم يصرحوا بذلك أمامه. ويزداد الأمر سوءًا عندما يناقش الإنسان من هو أكبر منه سنًا، أو علمًا، أو خبرة، أو خلقًا، فلا يبدي له الاحترام الواجب بسبب تعاظم الأنا في نفسه، فيعترض على ما لا يفهم، ويجادل فيما لا يعلم، وينسى قول الله تعالى:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

فالتواضع يرفع صاحبه، وحسن الخلق يبقي ذكره، أما الكبر والأنا فمهما أعطيا الإنسان شعورًا مؤقتًا بالعظمة، فإن عاقبتهما الخسارة وسوء الذكر بين الناس.

ومن المسلّم به أنه لا يوجد إنسان في هذه الدنيا يحيط بكل شيء علمًا أو خبرة، وتلك من حكم الله في خلقه حتى يحتاج الناس بعضهم إلى بعض، ومن هنا جاءت أهمية مبدأ الشورى. وأول من رسّخ هذا المبدأ في حياة المسلمين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يستشير أصحابه ويأخذ بآرائهم، كما حدث في غزوة بدر الكبرى وغزوة الخندق، بل إنه أخذ برأي، أم المؤمنين السيدة، أم سلمة رضي الله عنها يوم صلح الحديبية، حين أشارت عليه أن ينحر هديه أمام الناس، ففعل صلى الله عليه وسلم، فكان في ذلك أعظم درس في الشورى والتواضع وحسن الاستماع للنصيحة.

وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السلوك أن يرسخ بيننا مبدأ التشاور، وأن يعلمنا أن الحكمة قد تأتي على لسان أي إنسان، رجلاً كان أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا، وأن قيمة الرأي تُقاس بصوابه لا بصاحبِه.

ولكن من تسيطر عليه الأنا والنفس والهوى غالبًا ما يميل إلى الانفراد برأيه، ويرفض الاستماع إلى النصح أو مراجعة نفسه، وقد يتمسك برأي ثبت خطؤه لمجرد أنه صدر عنه، فيخسر فرصة التصحيح والتعلم. والحقيقة أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وأن التواضع في قبول النصيحة من شيم العقلاء، أما المكابرة فليست دليل قوة، بل قد تكون من أكبر أسباب الخطأ والفشل.

ولهذا فإن تهذيب النفس، وكبح جماح الهوى، والتخلص من تضخم الأنا، ليست مجرد فضائل أخلاقية، بل هي مفاتيح للنجاح في الدنيا، وأسباب للفوز برضا الله ومحبة الناس. فكم من إنسان رفعه تواضعه، وكم من إنسان أسقطه غروره، وصدق من قال: ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *